تمهيد: من الإطار المؤسسي إلى الإطار اللاهوتي
الحمد لله. في المقال الأول من هذه السلسلة عُرض الإطار القانوني والمؤسسي الذي نشأ فيه التعليم الديني الإسلامي في ألمانيا، وتبين أن إدراجه في المدارس العامة جرى ضمن بنية دستورية حديثة، تعتمد نماذج انتقالية ولجانًا استشارية ومراكز جامعية.
وفي المقال الثاني قُدِّم عرض أكاديمي موثَّق لمقال الباحثة فهيمة أُلفات (2025)، حيث ظهر بوضوح أن التعليم الديني الإسلامي في السياق الألماني يُبنى على مفاهيم مثل:
-
التربية الذاتية (Selbstbildung)
-
الاستقلال الديني (religious self-determination)
-
نموذج الكفاءة (Kompetenzorientierung)
غير أن التعليم الديني لا يُفهم بمعزل عن الإطار اللاهوتي الذي يغذّيه. وفي التغطيات الإعلامية العربية التي تناولت التجربة الألمانية برز اسم:
Mouhanad Khorchide
بوصفه أحد أبرز الوجوه الأكاديمية المرتبطة بتطوير “لاهوت إسلامي” معاصر في ألمانيا، خاصة من خلال موقعه في:
University of Münster
ومن هنا يطرح هذا المقال سؤالًا تحليليًا:
-
ما البنية اللاهوتية التي تقوم خلف بعض هذه التصورات التربوية؟
-
وهل يعكس مشروع “لاهوت الرحمة” تحوّلًا في مفهوم المرجعية الإسلامية في السياق الأوروبي؟
المقصود هنا تحليل المشروع بوصفه بنية فكرية، لا مناقشة شخص بعينه.
أولًا: عرض موضوعي لمشروع “لاهوت الرحمة”
1. مركزية الرحمة
يقوم مشروع “لاهوت الرحمة” كما يظهر في كتابه Islam ist Barmherzigkeit (الإسلام رحمة)، وفي أعماله اللاحقة حول الشريعة مثل Scharia – der missverstandene Gott، على اعتبار الرحمة القيمة التأويلية العليا في فهم الإسلام. فالله – في هذا التصور – يُقدَّم أساسًا بوصفه إلهًا رحيمًا محبًا، وأن العلاقة الأصلية بينه وبين الإنسان قائمة على الرحمة لا على الخوف.
وينتقد هذا الاتجاه ما يُسمّى “لاهوت الطاعة والخوف”، أي التصورات التي تجعل العلاقة مع الله قائمة على الامتثال المجرّد للأوامر والنواهي دون إبراز البعد العاطفي-القيمي.
في هذا الإطار، تصبح الرحمة ليست مجرد صفة إلهية ضمن منظومة الصفات، بل المفتاح المركزي لفهم النصوص.
2. القراءة التاريخية للنص
يرتكز المشروع أيضًا على قراءة تاريخية-سياقية للقرآن والسنة، تقوم على التمييز بين:
-
مقاصد عامة كلية (مثل الكرامة، الحرية، العدل)،
-
وتنزيلات تاريخية ارتبطت بسياق القرن السابع الميلادي / الأول الهجري.
ويُفهم كثير من الأحكام التشريعية بوصفها تطبيقات تاريخية لتلك المقاصد، لا صيغًا ملزمة في ذاتها خارج سياقها.
3. التفريق بين الرسول والحاكم
من العناصر اللافتة في المشروع التمييز بين ما يصدر عن النبي ﷺ بوصفه مبلِّغًا ومبيِّنًا للوحي، وبين ما يصدر عنه بوصفه إمامًا وقائدًا سياسيًا في سياق تاريخي محدد، مع اعتبار أن النوع الثاني يرتبط بوظيفة تدبيرية زمنية قابلة للاجتهاد والتغيير بتغير السياقات.
ويترتب على هذا التفريق إعادة قراءة بعض التصرفات النبوية ضمن إطار “السياسة الزمنية” لا ضمن إطار التشريع الملزم بذاته.
4. إعادة تعريف الشريعة
وفي عدد من كتاباته حول الشريعة، يُقدَّم مفهوم الشريعة بوصفه إطارًا قيميًا يهدف إلى تحقيق الرحمة والعدل والكرامة، أكثر من كونه منظومة تفصيلية ثابتة من الأحكام، ما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقة بين النص، والمقصد، والتاريخ.
بهذا العرض يتضح أن المشروع لا ينحصر في تعديل بعض الأحكام، بل يعيد ترتيب العلاقة بين النص، والمقصد، والتاريخ.
من المهم التأكيد أن مشروع “لاهوت الرحمة” لا يمثل الاتجاه الوحيد داخل مراكز اللاهوت الإسلامي في ألمانيا؛ إذ توجد مراكز أخرى ذات توجهات أقرب إلى المحافظة النصية أو التقليدية، كما أن الولايات الألمانية نفسها تتبنى نماذج مختلفة في التعليم الديني. غير أن اختيار هذا المشروع للتحليل هنا يعود إلى حضوره الواضح في الخطاب الإعلامي والأكاديمي الألماني، وإلى تأثيره الملحوظ في بعض دوائر النقاش حول طبيعة اللاهوت الإسلامي المعاصر في أوروبا.
تجدر الإشارة إلى أن هذا المشروع لم يمر في السياق الألماني أو الدولي دون جدل؛ فقد واجه معارضة شديدة من اتحادات إسلامية داخل ألمانيا، كما صدرت بيانات نقدية وفتاوى من جهات علمية في أوروبا وتركيا والعالم العربي اعتبرت بعض أطروحاته خروجًا عن التصور العقدي التقليدي. غير أن محل التحليل هنا هو البنية الفكرية للمشروع ذاته، لا الجدل الفقهي أو السياسي الدائر حوله.
ثانيًا: التحليل الفلسفي-اللاهوتي
1. مفهوم الإله بين الصفة والمعيار
في التراث الإسلامي الكلاسيكي، الرحمة صفة عظيمة من صفات الله، لكنها تقترن بصفات أخرى مثل العدل، والحكمة، والعزة، والجلال.
أما في لاهوت الرحمة، فتبرز الرحمة بوصفها القيمة الحاكمة التي يُعاد في ضوئها تفسير النصوص.
وهنا يبرز سؤال فلسفي:
- هل تتحول الرحمة من صفة إلهية إلى معيار تأويلي فوق نَصِّي تُقاس به دلالات النص؟
الفرق دقيق لكنه جوهري؛ إذ إن تحويل قيمة معينة إلى معيار أعلى قد يؤدي إلى إعادة تأويل النصوص التي لا تنسجم ظاهرًا مع ذلك المعيار.
2. مفهوم الحرية والذات
يرتبط المشروع أيضًا بتعزيز مفهوم الحرية الدينية بوصفها استقلالًا ذاتيًا. فالإيمان – في هذا الإطار – ينبغي أن يكون اختيارًا حرًا واعيًا، لا نتيجة ضغوط تقليدية أو اجتماعية.
لكن هذا يطرح سؤالًا لاهوتيًا:
- ما العلاقة بين الحرية والعبودية في التصور الإسلامي؟
في التراث، تُفهم العبودية لله بوصفها تحريرًا مِن سواه، بينما في الخطاب الحديث يُبرز مفهوم الاستقلال الذاتي (Autonomie) بوصفه القيمة المركزية.
هل نحن أمام اختلاف في ترتيب المفاهيم، أم إعادة صياغة لها؟
3. الوحي والتاريخ
يعتمد المشروع على منهج تاريخي في فهم النصوص، لكن حدود هذه التاريخية تحتاج إلى ضبط.
هل التاريخ:
- ظرف لنزول النص مع بقاء دلالته ممتدة؟
أم
- محدِّد جوهري لمعناه بحيث لا يُنقل إلا مقصده العام؟
هذا السؤال ليس سياسيًا، بل معرفي؛ لأنه يتعلق بطبيعة النص نفسه.
ثالثًا: التحليل الأصولي-المنهجي
هنا ينتقل النقاش إلى أرضية علم أصول الفقه.
1. النص والمقصد
في أصول الفقه، المقاصد تُستخرج من النصوص، ولا تُفرض عليها من خارجها. كما أن المقاصد نفسها ليست قيمة واحدة، بل منظومة متكاملة.
إذا أصبحت “الرحمة” المفتاح الأوحد، فهل يُختزل النظام المقاصِدي في قيمة واحدة؟
ثم هل تُقدَّم هذه القيمة بوصفها معيارًا سابقًا على النص أم مستنبطًا منه؟
2. القطعي والظني
التوسّع في تاريخية الأحكام يثير إشكالًا في باب القطعي والظني.
إذا اعتُبرت معظم الأحكام المدنية تطبيقات زمنية، فهل يبقى مجال واسع للقطعي الدلالة في التشريع؟
وهل يؤدي ذلك إلى تقليص مساحة الإلزام لصالح مساحة التقدير القيمي العام؟
3. حجية السنة
إذا فُصل بين النبي الرسول والنبي الحاكم، فإن بعض السنة الفعلية والتقريرية قد تُفهم بوصفها تصرفات سياسية لا تشريعية.
لكن في البناء الأصولي التقليدي، تصرفات النبي ﷺ – حتى في سياق الإمامة – تُستمد منها الأحكام بضوابط معروفة.
فهل يؤدي هذا التفريق الواسع إلى إعادة تعريف حجية السنة ذاتها؟
رابعًا: الربط بالتعليم الديني
عند العودة إلى مفاهيم المقال الثاني، كما يظهر في أعمال فهيمة أُلفات وBehr حول مفهوم الفطرة، والتربية الذاتية، ونموذج الكفاءة في التعليم الديني الإسلامي في ألمانيا، يظهر تقاطع واضح بين:
-
التربية الذاتية (Selbstbildung)،
-
الاستقلال الديني،
-
نموذج الكفاءة،
وبين:
-
مركزية الحرية،
-
تقليل البعد الإلزامي،
-
إعادة تعريف الشريعة بوصفها منظومة قيم.
وهنا يبرز سؤال تحليلي جامع:
- هل نحن أمام انتقال من مرجعية فقهية-نصية إلى مرجعية لاهوتية-بيداغوجية؟
بمعنى:
هل أصبح تعريف الإسلام داخل السياق التعليمي يُصاغ أساسًا عبر مفاهيم تربوية حديثة، ثم يُعاد تأويل النص في ضوئها؟
خامسًا: نحو فهم التحول في مفهوم المرجعية
إذا نظرنا إلى الصورة الكلية، نجد أن ثمة انتقالًا محتملًا:
-
من سلطة المذهب إلى سلطة الجامعة،
-
من أصول الفقه إلى الهرمنيوطيقا الحديثة،
-
من مركزية النص إلى مركزية التأويل الأكاديمي.
هذا لا يعني بالضرورة قطيعة تامة مع التراث، لكنه يعكس إعادة ترتيب للعناصر المكوِّنة للمرجعية.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
- هل يمكن إنتاج نموذج يجمع بين الانضباط الأصولي المتوارَث، والانخراط الواعي في السياق الأوروبي، دون إعادة صياغة جذرية لمفهوم المرجعية ذاته؟
هذا السؤال هو الذي سيحدد مستقبل التعليم الديني الإسلامي في أوروبا، وما إذا كان سيظل امتدادًا لتراث فقهي متصل، أم سيتحول إلى لاهوت سياقي جديد.
والله ولي التوفيق.
خاتمة السلسلة: بين الانضباط والسياق
تكشف هذه السلسلة – من الخبر الإعلامي إلى التحليل اللاهوتي – أن التعليم الديني الإسلامي في ألمانيا ليس مجرد مسألة إدراج مادة دراسية، بل هو نقطة تقاطع بين ثلاثة عوالم:
-
الإطار الدستوري للدولة الحديثة،
-
الحقل الأكاديمي الجامعي،
-
والتراث الفقهي والكلامي المتوارث.
وقد ظهر أن النقاش لا يدور حول “وجود” التعليم الديني فحسب، بل حول - من يملك تعريفه -، وبأي أدوات منهجية يُعاد بناؤه، وما المرجعية التي تضبط علاقته بالنص والتاريخ.
إن مشروع “لاهوت الرحمة” – بوصفه أحد الاتجاهات المؤثرة في المشهد الألماني – يعكس محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين النص والمقصد، وبين الإلزام والحرية، وبين الشريعة والقيم. غير أن هذا الاتجاه ليس هو الصوت الوحيد في الساحة، ولا هو محل إجماع، بل يمثل أحد مسارات البحث عن صيغة للاهوت إسلامي يعيش في سياق أوروبي تعددي.
ويبقى السؤال الأكبر، الذي يتجاوز التجربة الألمانية ذاتها:
كيف يمكن للمسلمين في سياق الأقلية أن يحافظوا على انضباطهم الأصولي المتوارث، وفي الوقت نفسه ينخرطوا بوعي في الإطار القانوني والثقافي الحديث، دون أن يتحول التكيّف إلى إعادة تعريف جذرية للمرجعية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تختص بألمانيا وحدها، بل تمس مستقبل الخطاب الإسلامي في أوروبا والعالم، وتمس كذلك طبيعة العلاقة بين النص والتأويل في عصر تتداخل فيه الحدود بين اللاهوت والتربية والسياسة.
وهذا ما يجعل مسألة التعليم الديني – في ظاهرها – قضية مدرسية، لكنها في عمقها قضية مرجعية وهوية.
والله أعلم وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم والحمد لله رب العالمين.
داخل السلسلة
هذا المقال من سلسلة «التعليم الديني الإسلامي في ألمانيا» (الحلقة 3 من 3).