مقدمة تحريرية
الحمد لله. نُشر عام 2025 في مجلة Religionspädagogische Beiträge مقالٌ للباحثة الألمانية فهيمة أُلفات (Fahimah Ulfat)، أستاذة التربية الدينية الإسلامية بجامعة توبنغن، بعنوان:
Islamic Religious Education in Germany – An Overview of Origins, Legal Framework, Theological Foundations, Objectives, Teacher Training and Future Perspectives.
يقدّم المقال عرضًا شاملاً للتعليم الديني الإسلامي في ألمانيا من حيث:
— نشأته التاريخية،
— إطاره القانوني،
— أسسه اللاهوتية والتربوية،
— محتواه وتحدياته،
— تكوين معلميه،
— وآفاقه البحثية المستقبلية.
يعتمد النص الآتي على عرض تحليلي مترجم لمقال أُلفات (2025)، مع إعادة تنظيم بعض الفقرات لتيسير القراءة العربية، مع الحفاظ على الإحالات المرجعية الأساسية الواردة في الأصل، ودون إدخال تعقيب نقدي موسع في هذه المرحلة.
أولًا: النشأة التاريخية للتعليم الديني الإسلامي في ألمانيا
(Origin)
تبدأ أُلفات (2025) بتأكيد أن نشأة التعليم الديني الإسلامي في ألمانيا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الهجرة، ولا سيما استقدام العمال من تركيا عام 1961.
في المرحلة الأولى، كان يُفترض أن العمال سيعودون إلى بلدانهم، ولذلك لم يُبنَ تصور طويل الأمد لبنية تعليم ديني إسلامي داخل النظام المدرسي الألماني. لكن مع استقرار الأسر المسلمة وتحوّل الوجود الإسلامي إلى عنصر دائم في المجتمع، واجهت الولايات الألمانية – المسؤولة دستوريًا عن التعليم – سؤالًا ملحًا يتعلق بالبنية الدينية التعليمية.
تشير الباحثة إلى أنه منذ التسعينيات جرت نقاشات سياسية وقانونية حول إدخال التعليم الديني الإسلامي في المدارس العامة. وقد عُولج الأمر في بعض الولايات عبر إدماجه ضمن دروس اللغة الأم، أو تنظيمه عبر تمثيليات قنصلية لدول المنشأ (Muckel, 2001).
لكن هذه الصيغ وُصفت بأنها غير كافية من الناحية الديداكتيكية1، ولا تخدم أهداف الاندماج التربوي.
توضح أُلفات (2025) أن الفترة الممتدة حتى عام 2010 شهدت مشاريع تجريبية متعددة، لكنها لم تشمل سوى نسبة محدودة من الطلاب المسلمين (نحو 3%). كما أن كثيرًا من المعلمين في تلك المرحلة لم يكونوا مؤهلين تأهيلًا لاهوتيًا أكاديميًا، بل خضعوا لتأهيل إضافي محدود (Ucar, 2010).
وتشير الباحثة إلى أن توصية مجلس العلوم الألماني عام 2010 شكّلت نقطة تحول، حيث دعت إلى تأسيس مراكز للاهوت الإسلامي داخل الجامعات الألمانية. وقد أدى ذلك إلى إنشاء أو تثبيت مراكز في جامعات مثل:
— Universität Tübingen
— Universität Münster
— Universität Osnabrück
— Goethe-Universität Frankfurt am Main (بالتعاون مع Justus-Liebig-Universität Gießen)
— Friedrich-Alexander-Universität Erlangen-Nürnberg
— Humboldt-Universität zu Berlin
— Universität Paderborn
وبحسب أُلفات (2025)، فإن التربية الدينية الإسلامية تُعدّ اليوم تخصصًا أكاديميًا راسخًا نسبيًا داخل النظام الجامعي الألماني، وإن كانت لا تزال تواجه تحديات نظرية وسياسية وعملية.
ثانيًا: الإطار القانوني
(Legal Framework)
تُبيّن أُلفات أن الأساس القانوني للتعليم الديني في ألمانيا يستند إلى القانون الأساسي (Grundgesetz)، ولا سيما:
— المادة 4 (حرية الدين والضمير)
— المادة 7 (تنظيم التعليم الديني في المدارس)
تنص المادة 7 على أن التعليم الديني (Religionsunterricht) مادة رسمية في المدارس العامة، ويُقدَّم “وفق مبادئ الجماعة الدينية المعنية”، مع بقاء الإشراف العام للدولة (Schweitzer & Ulfat, 2021).
وتؤكد الباحثة أن مفهوم “الجماعة الدينية” في الإطار الدستوري الألماني يفترض:
— عضوية محددة،
— تمثيلًا تنظيميًا واضحًا،
— قدرة مؤسسية على التواصل مع الدولة.
غير أن المجتمع المسلم في ألمانيا – كما تشير – يتسم بتعدد قومي ومذهبي، ولا توجد هيئة تمثيلية موحدة تستوفي بسهولة شروط المادة 7/3. ولهذا لجأت بعض الولايات إلى إنشاء مجالس استشارية تضم ممثلين مسلمين وخبراء أكاديميين (Engin, 2014).
وتنقل أُلفات عن Janssen (2023) أن كثيرًا من الولايات ما تزال تعتمد نماذج مختلطة أو انتقالية، ولا تطبق نموذج التعليم الديني الاعتقادي بصيغته الكاملة كما في التعليم المسيحي.
ثالثًا: الأسس الأنثروبولوجية واللاهوتية للتعليم الديني
(What is understood by religious education?)
تنتقل أُلفات إلى عرض الأسس اللاهوتية التي يستند إليها تصور التعليم الديني الإسلامي.
1. مفهوم الفطرة
تشير الباحثة إلى أن مفهوم الفطرة يمثل نقطة انطلاق أنثروبولوجية مركزية في الفكر الإسلامي. وتستند إلى الآية (الروم: 30) وإلى الحديث النبوي حول ولادة الإنسان على الفطرة.
وتستعرض ما ورد في الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية، مؤكدة أن الفطرة تُفهم باعتبارها استعدادًا إنسانيًا أصيلًا للتوجه نحو الله (Hoover, 2016).
لكنها تؤكد في الوقت نفسه – مستندة إلى Behr (2014) – أن هذا الاستعداد يحتاج إلى تربية وتوجيه واختيار واعٍ، مما يجعل التعليم عنصرًا أساسيًا في تفعيل الإمكانات الدينية الكامنة.
2. التزكية والتعليم
تشير أُلفات إلى مفهوم التزكية (tazkīya)، مستندة إلى تأويلات مستمدة من آيات سورة الشمس (7–10) كما يعرضها Chittick (2007)، وإلى التصور التربوي عند الغزالي (Alavi, 2007).
وبحسب العرض، يُفهم التعليم في المنظور الإسلامي بوصفه:
— عملية اكتساب معرفة عقلية وروحية،
— ووسيلة لترقية الوعي الأخلاقي،
— وطريقًا إلى الفعل الصالح.
3. التربية الذاتية والاستقلال الديني
تُبرز أُلفات (2025) مفهوم “التربية الذاتية” (Selbstbildung)، وترى أن التعليم الديني ينبغي أن يمكّن المتعلم من:
— اتخاذ موقف شخصي واعٍ من الإيمان،
— تحمل المسؤولية الدينية ذاتيًا،
— تطوير وعي نقدي في سياق تعددي.
وبصياغة تلخيصية تنظيمية يمكن القول إن الاتجاه الذي تعرضه الباحثة يعكس انتقالًا من نموذج يركز على نقل المعرفة الدينية إلى نموذج يركز على بناء الاستقلال الديني (religious self-determination)، وإن كانت الكاتبة نفسها لا تستخدم ثنائية “التلقين” بهذه الصيغة المباشرة.
رابعًا: المحتوى والتحديات
(Content and Challenges)
تذكر أُلفات أن المناهج تتناول موضوعات مثل:
— الإنسان والإيمان والأخلاق،
— القرآن والمصادر،
— الله والخلق،
— النبي محمد ﷺ،
— المجتمع والتاريخ،
— الأديان الأخرى.
وتشير إلى أن التوجه الديداكتيكي يركز على التفكير النقدي والاستقلالية.
وتفرد الباحثة مساحة لواقع الطلاب المسلمين في ألمانيا، مشيرة إلى تحديات مثل:
— التوتر بين الثقافة الأسرية والمجتمع الأوسع (Ulfat, 2022)،
— تجارب التمييز (El-Mafaalani et al., 2017; Willems, 2020)،
— إشكاليات الهوية.
وترى أُلفات أن التعليم الديني يمكن أن يؤدي دورًا في مرافقة الطلاب في هذه التحديات.
خامسًا: تكوين المعلمين والتحديات البحثية
(Islamic Religious Pedagogy between Academic Rigor and Professional Training)
توضح أُلفات أن التربية الدينية الإسلامية تخصص حديث نسبيًا، وإن كان يستلهم تقاليد تربوية إسلامية كلاسيكية (Günther, 2006; 2016; 2020).
وتشير إلى أن المعلمين يُدرَّبون حاليًا في سبع جامعات وأربع كليات تربية (بحسب أُلفات، 2025).
وتنقل نتائج دراسات تجريبية تشير إلى أن مستوى التأمل النقدي في المعتقدات الشخصية لدى بعض معلمي التربية الدينية ليس مرتفعًا بالقدر المتوقع (Zimmer, Ceylan & Stein, 2017; Tuna, 2019; Kamcili-Yildiz, 2021).
سادسًا: البحث والآفاق المستقبلية
(Research and Future)
تؤكد أُلفات أن النقاش حول التعليم الديني الإسلامي انشغل طويلًا بالجوانب المؤسسية أكثر من المحتوى الفعلي.
وترى أن المستقبل يتطلب:
— تطوير البحث التربوي التجريبي،
— تقييم المناهج علميًا (Abdel-Rahman, 2022),
— تطوير نماذج تعليمية قائمة على الكفاءة (Topalović, 2024).
وتخلص الباحثة إلى أن التعليم الديني الإسلامي، إذا بُني على أسس علمية وتربوية رصينة، يمكن أن يسهم في:
— تعزيز الاستقلال الديني،
— دعم المجتمع التعددي،
— منع تحوّل الخطاب الديني إلى خطاب انعزالي.
خاتمة تحريرية
انتهى هذا العرض الأكاديمي الموثق لمقال أُلفات (2025)، وقد حرص على تقديم أفكار النص كما وردت في بنيته المرجعية، مع الحفاظ على الإحالات الأساسية، ودون إدخال تعليق نقدي موسع.
وسينتقل المقال التالي في هذه السلسلة إلى تحليل البنية المفاهيمية التي تحكم هذا التصور، ولا سيما:
— مركزية مفهوم الاستقلال الديني،
— نموذج الكفاءة (Kompetenzorientierung)،
— وانتقال المرجعية من الإطار الفقهي التقليدي إلى الإطار البيداغوجي الحديث2.
والله ولي التوفيق.
Footnotes
داخل السلسلة
هذا المقال من سلسلة «التعليم الديني الإسلامي في ألمانيا» (الحلقة 2 من 3).