نبذة
مدخل موجز للعمل
فائدة من كتاب (إتمام الرصف بما حوته سورة الصفِّ من الأحكام والوصف):
مقال
فائدة من كتاب (إتمام الرصف بما حوته سورة الصفِّ من الأحكام والوصف):
نبذة
فائدة من كتاب (إتمام الرصف بما حوته سورة الصفِّ من الأحكام والوصف):
بيانات موجزة
التفاصيل
الحمد لله. يُعَدُّ كتاب “إتمام الرصف بذكر ما حوته سورة الصفِّ من الأحكام والوصف” من أبرز مؤلفات الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد عبدالرحمن النقيب، الأستاذ بقسم الدراسات الإسلامية واللغة العربية بكلية التربية، جامعة المنصورة، مصر، والمشرف على دار طابة للنشر والترجمة، المنصورة، مصر. يتناول الكتاب تفسيرًا عميقًا لسورة الصف، مسلطًا الضوء على معانيها الإيمانية وأحكامها الشرعية، ومُبرِزًا أهمية التسبيح، وتنزيه الله تعالى في العقيدة الإسلامية.
في هذا المقال، نستعرض إحدى الفوائد المستخلصة من هذا الكتاب القيم، حيث يوضح المؤلف مفهوم التسبيح في الإسلام، مبينًا أنه لا يقتصر على القول فقط؛ بل يشمل الاعتقاد والعمل، ويتطلب تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به، وحب دينه ورسوله، والدفاع عن ذلك بكل غالٍ ونفيسٍ.
قال المصنف حفظه الله:
قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: 1].
(سبح)التسبيح: التنزيه؛ أي: الإبعاد بإجلال. و”سبحان الله” معناه: تنزيه الله تعالى مما ينبغي ألا يوصف به؛ كالصاحبة والولد والمثل والنِّدِّ والشريك[1].
وأصل التنزيه لا يكون بالقول فقط، فهذا أمر يقدر عليه الكثير، حتى المنافقون، بل يجب أن ينزه تعالى اعتقادًا وقولًا وعملًا عما لا يليق بجانبه سبحانه. ومن مفردات ذلك أن ينزه نبيه صلى الله عليه وسلم عما يقدح في رسالته ونبوَّته، وأن ينزه دينه عما يرمى به من الزعم بأنه سبب تخلُّف المسلمين، وأنه غير صالح للحكم في البلاد بين العباد، وأن ينزه كلامه، وهو القرآن الكريم عن دعوى الاضطراب ووقوع الخطأ، وكونه مرحلة تاريخية، أو يشَبَّه بوجه أو بآخر بكلام الكهنة وسجعهم، وبذا بات من تنزيه الله تعالى: حبه، وحب دينه، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، وحب كلامه، وحب أوليائه، والدفاع عن هذا، وبذل المُهج والأموال والنفس والنفيس والغالي والرخيص لإقامة هذا التنزيه بهذا المفهوم الواسع، ومن هنا نرى هذا الارتباط العجيب بين تصدير السورة بتنزيه الله، ثم حث المؤمنين على القتال، ومعاتبتهم طورًا، وتشجيعهم طورًا آخر؛ بتذكيرهم بوعود الله تعالى بالظفر والغنيمة إن سلموا، والجنان الخالدة إن استشهدوا، والكل هذا مآله - بإذن الله - إن قام في الدنيا مشتغلًا بتنزيه الله: اعتقادًا، وقولًا، وعملًا، والله أعلم.
أما ((التسبيح)) فهو من قولهم:سبح في الأرض والماء: إذا ذهب وأبعد فيهما[2]. ولما كان سبحانه وتعالى منزهًا مبعدًا عن كل سوء ومثل وغير، كان من أسمائه أنه عز وجل((سبُّوح))؛ ولهذا ثبت من حديث عائشة أم المؤمنين**-**رضي الله عنها-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده(سبوح قدوس، رب الملائكة والروح)[3].
إذن((سبُّوح))وصف من التسبيح، ويقصد به كما ذكرنا، أما((القدوس))فيقصد به: الطاهر، وقيل المبارك. وكلاهما حقيق أن يوصف به الرب الجليل الحنان المنان، ومنه سُمِّي المسجد المعروف((ببيت المقدس))، وأيضًا الأراضي المقدسة، ونسبت إليه الأحاديث القدسية.
و((السبُّوح)) و((القدُّوس)):من أسماء الله تعالى، وليس في الكلام العربي صيغة على وزن((فعُّول))سواهما، وهذا هو المشهور، بل حُكي فيه الإجماع. وقد يفتحان، نحو: كَلُّوب وسَمُّور، فتقول سَبُّوح قَدُّوس[4].
وعند النظر نجد أن((سبح))فعل ماضٍ، وقد افتتحت به سورة الصف هنا، كما افتتحت به سورة الحشر أيضًا. وقد وقع معنى التسبيح في بعض السور في زمن غير الماضي؛ كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: 1].
وأما حكمة إتيان “التسبيح” في بعض الفواتح ماضيًا، وفي البعض الآخر مضارعًا، للإيذان بتحققه في جميع الأوقات، وفيه تنبيه على أن حَقَّ مَنْ شأنه التسبيح الاختياري أن يسبحه تعالى في جميع أوقاته كما عليه الملأ الأعلى؛ حيث يسبحون الليل والنهار لا يفترون[5].
بل أمر الله سبحانه وتعالى بتسبيحه في القرآن، ومن ذلك قوله الكريم: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]. وفي هذا إشارة إلى أنه يجب على العبد أن يتعلَّم تسبيح الله تعالى على الدوام، ويتدرب على ذلك؛ إذ الماضي يدل على الزمان السابق، والمضارع يدل على المستقبل، والأمر يدل على الحال[6]. هذه الديمومة في التسبيح؛ حيث دلَّ عليها اللفظ وأرشد[7]: لا بد أن تكون منهج حياة للمسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41، 42]، وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]، وأول من امتثل لأمر ربه تعالى هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فمع أن الله تعالى قد غفر له ذنبه كله، ما تقدم منه وما تأخر-إن كان له ذنب – فقد كان عليه الصلاة والسلام يكثر من التسبيح، ويحث عليه في طائفة عظيمة من الإشارات النبوية،ودونك بعضًا منها[8]:
1-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم))[9].
2-وعنه أيضًارضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر))[10].
3-وعنه أيضًارضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به - إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه))[11].
4-عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:((أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟))، فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال:((يسبح مائة تسبيحة، فتكتب له ألف حسنة، أو تحط عنه ألف خطيئة))[12].
وحسبك أن التسبيح سيد الذكر، والمُسَبِّح: هو الحي بحق، فعن أبي موسى رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم:((مثل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه مثل الحي والميت))[13].
(اللام)في قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ اختلف المفسرون في هذه اللام،فمنهم من ذهب إلى أنها:
لام التعليل: أي أُحدث العبادة لأجل الله؛ أي: لوجهه خالصًا.
لام التقوية:كاللام في قولهم: “نصحت لزيد”؛ حيث تصح أن تقول: “نصحت زيدًا”، وكذلك “سبح لله”، و”سبح الله”. فجيء باللام لتقوية وصول الفعل(سبح/نصح)إلى المفعول(الله/زيدًا)[14]. وكما هو ظاهر فإن هذه اللام بهذا المفهوم تكون زائدة، وهذا ما أطلقه عليها بعض المفسرين[15].
ومع وجاهة هذين القولين- لا سيما القول الأول، حيث يرتبط بالقضية الكلية وهي العبادة- إلا أن القلب ينشرح إلى أن اللام هنا فيها معنى(الاستحقاق). ومثلها اللام في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2][16]، فهو سبحانه المستحق وحده على الوجه اللائق به أن: ينزه، وأن يحمد، وأن يشكر، وأن يذكر، وأن يحب.
في الختام، يُذكّر الدكتور أحمد النقيب بأهمية التسبيح كمنهج حياة للمسلم، مستشهدًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على ذكر الله وتنزيهه في كل الأوقات. ويُشدد على أن التسبيح ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو عبادة قلبية وعملية تعكس إيمان المسلم وتوحيده لله تعالى.
نُشِر هذا الكتاب “إتمام الرَّصف بما حوته سورة الصفِّ من الأحكام والوصف” ضمن إصدارات دار طابة للنشر والترجمة، المنصورة، مصر، التي تهدف إلى رفع المستوى الثقافي والمعرفي للقارئ العربي والمسلم، وتعمل تحت إشراف فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد عبدالرحمن النقيب، سعيًا لتقديم محتوى علمي موثوق به يسهم في تنمية الوعي الديني والفكري.
النشر الأصلي
هذه الصفحة تُظهر نسخة داخلية منظمة من المقال ضمن أرشيف الموقع، بينما يظل النشر الأصلي متاحًا على شبكة الألوكة.
داخل السلسلة
تنتمي هذه المقالة إلى سلسلة منظمة داخل الموقع، ويمكن الرجوع إلى فهرس السلسلة أو الانتقال إلى الحلقة السابقة أو التالية عند توفرها.