مقال

الطريق إلى القدس: قراءة شرعية حضارية في مركزية القضية وشروط استعادتها

القدس قضية عقدية حضارية تمسّ صميم هوية الأمة، والطريق إليها لا يُختصر في القوة المجردة، بل يبدأ من تصحيح الوعي، وإحياء الإيمان، واستعادة شروط التمكين.

فكر

مقدمة

الحمد لله. لم تكن القدس في يومٍ من الأيام قضية حدودٍ أو صراع نفوذ فحسب، بل كانت – ولا تزال – قضية عقدية حضارية تمسّ صميم هوية الأمة الإسلامية، وترتبط اتصالًا وثيقًا بعلاقتها بربها، وبمنهجها في فهم السنن، وبموقعها في مسار التاريخ. ومن الخطأ المنهجي الجسيم اختزال قضية القدس في بعدها السياسي أو الإنساني وحده، مع إغفال بعدها الشرعي الذي به تُفهم، وبه تُستعاد.

إن قراءة التاريخ الإسلامي، والنصوص الشرعية، والواقع المعاصر، تقود إلى نتيجة واضحة: أن الطريق إلى القدس لا يُختصر في القوة المجردة، بل يبدأ من تصحيح الوعي، وإحياء الإيمان، واستعادة شروط التمكين.

القدس في التصور العقدي الإسلامي

يرتبط ذكر القدس في الوعي الإسلامي بأشرف سياق قرآني، وهو سياق الإسراء والمعراج، قال تعالى:

﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1] .

فالآية نصٌّ صريح في:

— إثبات قدسية المكان.

— وعموم البركة في المسجد الأقصى وما حوله.

— وربط الأقصى بالحرم المكي في سياق تعبدي عقدي.

كما ثبت في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وُضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة» (البخاري، رقم 3366؛ مسلم، رقم 520).

وهذا الحديث يؤكد أن الأقصى جزء من بنية التوحيد الأولى في الأرض، لا ظاهرة طارئة ولا ملحقًا تاريخيًا.

المسجد الأقصى… المفهوم المغيَّب

من أخطر أوجه التزييف المعاصر اختزال المسجد الأقصى في المصلى فقط، بينما أجمع أهل العلم على أن المسجد الأقصى هو كل ما دار عليه السور، بمساحته الكاملة.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «المسجد الأقصى اسم لجميع المسجد الذي بناه سليمان عليه السلام» (مجموع الفتاوى، 27/11).

وهذا التحديد ليس مسألة فقهية مجردة، بل له أثر مباشر في:

— فهم الاعتداءات الواقعة.

— وتقدير حجم الانتهاك.

— ومواجهة محاولات التقسيم المكاني والزماني.

القدس وسنن التداول والتمكين

لم يعرف تاريخ القدس انفصالًا عن سنن الله في الأمم، فكما فُتحت حين استقامت الأمة، ضاعت حين ضيّعت، قال تعالى:

﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 55 وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 56 لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [النور: 55-57] .

فالتمكين:

— وعد مشروط.

— لا يتحقق مع الخلل العقدي.

— ولا يُنال مع الظلم، والفرقة، والتبعية.

وقد دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس فاتحًا لا غازيًا، يوم دخلها متواضعًا، محققًا لمعنى العدل، فكانت القدس يومئذٍ دار أمان، لا دار انتقام، وهو ما يشهد بأن الفتح ثمرة القيم، لا مجرد السيوف.

تفكيك الوهم الصهيوني

إن المشروع الصهيوني – في جوهره – مشروع استعماري إحلالي، وظّف الدين توظيفًا سياسيًا، واستند إلى القوة الغربية، لا إلى حق تاريخي ثابت.

وقد شهد بذلك غير واحد من الباحثين الغربيين أنفسهم، كما أن الواقع العملي للاحتلال يكشف:

— تغييبًا ممنهجًا للتاريخ الإسلامي.

— وتهويدًا للجغرافيا.

— ومحاولة لكسر الوعي قبل كسر الإرادة.

غير أن أخطر ما يواجه القضية اليوم ليس قوة العدو وحدها، بل تآكل الوعي داخل الأمة، وتحويل القدس إلى ملف عاطفي موسمي، لا قضية مركزية مستمرة.

الطريق الحقيقي إلى القدس

إن استعادة القدس لا تبدأ من الحدود، بل من القلوب، ولا تُبنى بالسلاح وحده، بل بـ:

— تصحيح العقيدة وربط القضية بالإيمان.

— إحياء العلم والوعي بتاريخ القدس ومكانتها.

— إصلاح حال الأمة في علاقتها بالله، وفي وحدتها، وفي عدلها.

— تحرير المفاهيم من التزييف الإعلامي والتاريخي.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة» (مجموع الفتاوى، 28/63).

فكيف تُرجى النصرة مع الظلم، والغفلة، والتبعية، وترك الفرائض؟

خاتمة

إن القدس مرآة صادقة لحال الأمة، فإذا صلحت صلح أمرها، وإذا ضعفت كان ضعفها شاهدًا عليها. وليست القضية أن نُحب القدس فحسب، بل أن نكون أمةً تستحقها.

وإن الطريق إلى القدس طويل، لكنه واضح، لا لبس فيه: طريق الإيمان، والوعي، والعمل، والصبر، واليقين بوعد الله.

﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: 21] .

داخل السلسلة

هذا المقال من سلسلة «الطريق إلى القدس» (الحلقة 2 من 2).