مقال

قراءة علمية دعوية في كتاب الطريق إلى القدس

مدخل إلى سلسلة قراءة علمية دعوية في كتاب «الطريق إلى القدس» للأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحمن النقيب، تؤكد أن قضية الأقصى قضية عقدية مركزية لا ملف موسمي.

فكر

«هذا هو وقت قراءة هذا الكتاب»

الحمد لله. ليست قضية القدس والمسجد الأقصى طارئة في وجدان الأمة، ولا ملفًا موسميًا يُستدعى عند الأزمات ثم يُطوى، بل هي – وكانت ولا تزال – قضية مركزية مفصلية في الوعي الإسلامي، لا يصح لعاقل من أبناء هذه الأمة أن يغفل عنها، ولا يجوز أن تُختزل في بعدها السياسي أو الإنساني وحده.

فقضية المسجد الأقصى قضية عقدية بالأساس، تتصل بأصول الإيمان، وبسنة الله في التداول والتمكين، وبعلاقة الأمة بتاريخها ووحيها، وليست ترفًا فكريًا، ولا شغفًا عاطفيًا عابرًا.

وقد ظلّت هذه القضية – عبر التاريخ الإسلامي – ميدانًا للملاحم الكبرى، ومسرحًا للصراع بين الحق والباطل، ومقياسًا صادقًا لحيوية الأمة أو ضعفها. وكل قراءة تُفرغ القدس من هذا البعد، إنما تُسهم – عن قصد أو غير قصد – في تمييع مركزيتها، وتفريغها من مضمونها الحقيقي.

ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الطريق إلى القدس» للأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحمن النقيب؛ إذ لا يقدم مادة وصفية أو سردًا تاريخيًا محضًا، بل يطرح قراءة شاملة مركبة، تجمع بين: التأصيل الشرعي، والتحليل التاريخي، والنقد السياسي، والوعي الحضاري.

وهو كتابٌ يتتبع القضية بعمق خاص في القرن العشرين، كاشفًا تطوراتها، ومواقف الأطراف المختلفة منها، العربية والإسلامية والدولية، بعين الباحث الأكاديمي، وعقل الناقد، وهمّ الداعية.

وليس من المبالغة القول إن هذا السفر – بأجزائه الثلاثة – من الكتب القليلة التي تُغني عن غيرها في هذا الباب، ولا يُغني عنها غيرها، لمن أراد الإحاطة بقضية القدس إحاطة علمية واعية، وفهم زواياها وخفاياها، بعيدًا عن التبسيط المخل أو الخطاب الانفعالي.

ومن هذا المنطلق، تأتي هذه السلسلة من المقالات المتتابعة، بوصفها قراءة علمية دعوية في هذا الكتاب، لا تلخيصًا له، ولا إعادة إنتاجٍ لمادته، وإنما وقفات تحليلية وتأصيلية، تُبرز منهجه، وتناقش أفكاره، وتربط خلاصاته بواقع الأمة وسنن الله في التاريخ.

قال المصنف — حفظه الله — في وصف الكتاب:

لا ينبغي لعقلاء الأمة أن يربطوا بين ما يفعلون حالا وبين رؤيتهم ثمرة فعلهم؛ إذ المقصود أن نزرع لننفع غيرنا لا سيما الأجيال القادمة من أبناء الأمة الإسلامية المباركة؛ إذ إن التفكير دوما للمستقبل للأمة ينبغي أن يكون أفضل منه في الحال، لنصل إلى ارتقاء الأمة؛ أي: أن يكون كل جيل أفضل من سابقه، وهكذا، وعليه فإن أجيال اليوم لا بد أن تفكر لتصنع شيئا لمستقبل الأمة في الغد، حتى ولو لم تدرك ثمرة زرعها، فلربما انتفع بها من بعدها، وهذا أصل إسلامي أكّد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال عليه السلام: “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها” [صحيح]. إن نزول المصائب الكبار على الأمة لا يمنعها أن تفكر في المستقبل وتنفع أجيالها فيه، حتى لو كان هذا المصاب هو الدجال!! فعن داود بن أبي داود الأنصاري قال: قال لي عبد الله بن سلام (الصحابي الجليل الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقد شهد مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح بيت المقدس وتوفي بالمدينة سنة 43هـ): «إن سمعت بالدجال قد خرج وأنت على وَدِيَّة تغرسها، فلا تعجل أن تصلحه؛ فإن للناس بعد ذلك عيشا» [صحيح]. ا.هـ.

وإذ كان هذا التمهيد تعريفًا بالقضية، وإشارةً إلى قيمة هذا السفر ومنهجه، فإن المقصود منه ليس الاكتفاء بالإشادة، ولا الوقوف عند الثناء، وإنما فتح باب القراءة الواعية المتأنية لهذا الكتاب، قراءةٍ علميةٍ دعويةٍ تتناول قضاياه ومحاوره وأفكاره بالتحليل والمناقشة والربط بالواقع وسنن الله في الأمم.

وعليه، فستتتابع – بإذن الله – مقالات لاحقة في هذه السلسلة، تكون كل واحدة منها وقفة مستقلة مع جانب من جوانب الكتاب، أو مسألة من مسائله المركزية، رجاء أن تسهم هذه القراءة في إحياء الوعي بالقضية، وترسيخ مركزيتها في النفوس، وربطها بمنهج الإصلاح والبناء، لا بمنطق التفاعل العابر أو الانفعال المؤقت.

داخل السلسلة

هذا المقال من سلسلة «الطريق إلى القدس» (الحلقة 1 من 2).