مقال

بسبب أمي... عدت إلى الله – قصة قصيرة

قصة قصيرة عن باحث شاب انشغل بخطبة زميلة حتى اشترطت عليه ألا تبيت أمه معهما، فاختار أمه واختار الله، فعوّضه الله خيرًا.

كُتاب الألوكة

عاش عمره بين الكتب والمراجع، لا يعرف من الحياة إلا دروب العلم ومشقة التخصص. لم يكن من أهل التجربة في دنيا الناس، فحياته تدور في فلك البحث والدراسة، وكان من المتفوقين الذين التحقوا بالجامعة معيدًا بعد تخرّجه.

لم يكن الزواج شغله الشاغل، ولا العلاقات موضع تفكيره؛ فقد كان يعلم أن الله حرّم الاختلاط والخلوة، ويكفيه انشغاله بتخصصه الضيّق ودراساته العليا.

وفي إحدى مراحل الدراسة، تعرّف على فتاة زميلة. لم يُعر الأمر اهتمامًا، لكن ضغط والدته عليه ليتزوّج بدأ يشتد. فكر: ولم لا؟ إنها زميلة، على خلق، ويعرفها عن قرب.

فتح لها باب الحديث في الموضوع، فرحبت، وساعدتهم الزمالة على تكرار اللقاءات دون كلفة. كثيرًا ما تناولا الغداء سويًا في مطعمٍ قريبٍ من الجامعة… كانت صلوات المسجد تُؤذّن، وحلقات العلم تُعقد على مرمى حجر، لكنه كان غافلًا، مستغرقًا في وهم الحب، وأسرار التوافق.

ومضت الأيام، وقرر أن يتقدّم رسميًّا. جلس مع أهلها… فكانت المفاجأة: طلبات مادية باهظة، وشروط قاسية.

اعترض، فأوهمته بأنها أمور معتادة، وأنه كل حياتها، وعليه أن يبذل أقصى ما يستطيع. فتغيّر، وبدأ يعمل فوق طاقته، ويرهق نفسه ليُرضيها.

وذات مرة، في لحظة صفاء، سمع الأذان… فتحرك قلبه، أين أنا من ربي؟ من صلاتي؟ من عبادتي؟

ثم كانت الصدمة القاضية…

قالت له بصراحة:

أعلم أنك تحب والدتك، وأنا أُقدّر ذلك، ولكن بعد الزواج ستكون لنا حياتنا الخاصة، لا أريدها أن تبيت معنا.

ذهل. سألها: ولو مرضت؟

قالت: تزورنا، لا أكثر.

حاول مناقشة أهلها، لكنهم أصروا على نفس الموقف.

هددوه: إما القبول، أو ضياع كل شيء!

خرج من بيتهم هائمًا… تائهًا…

سار بلا وجهة، حتى سمع الأذان، ودخل المسجد.

جلس في ركن، ففتح الله قلبه، وسمع الإمام يقرأ من «الأدب المفرد»: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة.

هناك، اتخذ قراره.

اختار أمه، واختار الله.

فسخ الخطبة، وترك الأموال، وترك الزمالة التي أغوته عن طاعة ربه.

عاد إلى ربه باكيًا، نادمًا، خاشعًا…

وقلبه يقول: يا رب، تركت لأجلك، فاجبرني.

طلب من أمه أن تختار له زوجةً صالحة، وركز في دراسته، فعوّضه الله.

رزقه الله بزوجة صالحة، كانت له نعم المعين على الطاعة.

مرضت والدته، فانتقل مع زوجته ليكونا في خدمتها.

لم يطل مرضها، فقبضها الله إليه، راضيةً عن ابنها.

وفي لحظة خلوةٍ، جلس يتأمل:

لو كنتُ قبلتَ شرطها، كيف كنتُ سأعيش وأمي مريضة لا أستطيع خدمتها؟

والأعجب… أن زوجته اليوم، كانت أقرب الناس إلى أمه، فارتفعت منزلتها في قلبه، وبين أهله.

لكن كل هذا لم يكن إلا لأن الله أنقذه، وأذن له بالرجوع إليه.

الرسالة

من ترك شيئًا لله، عوّضه الله خيرًا منه، ومن اختار برّ أمه، فتح الله له أبواب الخير كلها.

فلا تكن عبدًا للغفلة، بل كن عبدًا لله، واحرص على بر أمّك فهي باب الجنة.