واسطة العقد (قصة قصيرة)
ارتبط شهر رمضان في تلك الأُسرة بذكريات لا تُنسى.
فالأب كان يعمل خارج البلاد، يغيب معظم العام، لكن الأم – رحمها الله – استطاعت أن تجعل لهذا الشهر روحًا خاصة ينتظرها الأبناء من عام إلى عام.
كانت تحرص على كل تفاصيل رمضان:
الجو الإيماني في البيت، وصلاة الجماعة، والتراويح، والفرح بقدوم الشهر، ثم المائدة التي تجمع القلوب قبل الأجساد.
وكان لها طبق خاص تحرص أن تعده في أول يوم من رمضان، حتى صار تقليدًا ثابتًا لا يتخلف.
ولهذا كان الأبناء – مهما كثرت دعوات الأصدقاء للإفطار خارج البيت – يعتذرون عنها جميعًا، ويحرصون أن يكونوا في البيت قبل أذان المغرب.
لم يكونوا يريدون أن يفوتهم الإفطار الذي تصنعه أمهم بيدَيها.
وفي إحدى السنوات سمعت الأم كثيرًا من جاراتها عن عادة أهل البلدة – وهي بلدة زوجها – أنهم يُفطرون أول يوم من رمضان على طعام معين.
فأرادت أن تشاركهم تلك العادة.
لكن الأبناء استغربوا الأمر، وظلوا يمازحونها محتجين:
أول يوم من رمضان لا ينبغي أن يتغير فيه شيء!
فضحكت، ثم عوضتهم في اليوم التالي بطبقهم المحبوب، وظلوا سنوات يذكرون تلك الحادثة ضاحكين.
كانت في ظاهرها تتعجب من تمسكهم بذلك، لكنها في داخلها كانت سعيدة؛ فقد رأت بعينيها أثر ما زرعته في قلوبهم.
ومرت السنوات…
وبدأت آثار السن تتسلل إلى جسد الأم وقوتها شيئًا فشيئًا، دون أن ينتبه الأبناء كثيرًا لذلك.
حتى جاءت سنة… تعبت فيها الأم، فلم تستطع أن تعد الطعام في أول يوم من رمضان.
فاجتمع الأبناء، وطلبوا طبقهم المفضل من أحد المطاعم، وجلسوا يأكلونه كما اعتادوا.
لكنهم شعروا أن شيئًا ما ناقص.
لم يكن الطعم هو الطعم نفسه، غير أن اجتماعهم خفف ذلك الشعور.
ثم جاءت السنة التالية …
وفي ليلة الشك من رمضان – آخر ليلة من شعبان – رحلت الأم إلى بارئها.
وكان شعبان في ذلك العام ثلاثين يومًا، فكان هناك وقت للغسل والدفن، ثم عاد الأبناء إلى بيوتهم يستقبلون أول يوم من رمضان.
اجتمعوا مرة أخرى حول نفس الطعام الذي كانوا يحبونه.
لكن البيت كان صامتًا على غير عادته.
جلسوا حول المائدة، وكل منهم يشعر أن شيئًا عظيمًا قد انكسر، وأن حلقةً من عقد الأسرة قد غابت.
فالطعام هو الطعام …
لكن المذاق لم يكن هو المذاق.
فطعام الأم لم يكن مجرد طعام، بل كان حبًّا يُسكب في القلوب قبل أن يُوضَع في الصحون.
عندها أدركوا أن الأسرة – وإن اجتمعت – لا يكتمل عقدها إلا بتلك الجوهرة التي كانت تربط حبَّاته.
ومن يظن أن الأم يمكن أن يعوضها أحدٌ فهو واهم.
نعم، قد يجد الإنسان في زوجته وأبنائه خيرًا ورحمة، لكن الأم شيء آخر.
فتش حيث شئت …
لن تجد قلبًا كقلب الأم.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة))؛ [رواه مسلم (2551)].
ومن أصدق ما قيل في الأم:
أبيت على الذكرى وأصحو بمثلهاوإن غبتِ لم يبرح خيالكِ زائريأحبك يا أمي على القرب والبعدأحبك يا أمي ولو كنت في اللحدِأحبك حبًّا فاق حب أحبتيوليس لحبِّ الأم من ندِّسلام على الدنيا تناثر عقدهاوقد كنتِ يا أماه واسطة العقدِ
النشر الأصلي
نُشر هذا المقال أولًا في شبكة الألوكة: قراءة المقال في مصدره