من استثمار القلق إلى توجيه السلوك
قراءة في نموذج المنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وحفظ العقل
مقدمة:
الحمد لله، لم تعد المنصات الرقمية الحديثة مجرَّد أدوات محايدة للتواصل أو البحث، بل تحوَّلت - بحكم نموذجها الاقتصادي - إلى منظومات متكاملة لإدارة الانتباه وتوجيه السلوك الإنساني.
ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد التأثير الرقمي مقتصرًا على عرض المحتوى، بل امتدَّ إلى قراءة الحالة النفسية للمستخدم، واستثمار القلق والتوتر بوصفهما موردًا اقتصاديًّا قابلًا للتوظيف.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة علمية شرعية هادئة، لا تُشيطن التقنية، ولا تنبهر بها، بل تفكِّك آلياتها، وتربطها بأبعادها الاقتصادية والنفسية والأخلاقية، وتضع الإنسان المسلم أمام مسؤوليته في حفظ عقله، وسيطرته على وعيه، وإدارته لعلاقته بالعالم الرقمي.
وهم المجانية ونموذج الربح القائم على الانتباه:
من القواعد الاقتصادية المستقرة أن «ما لا يُدفَع ثمنه مالًا، يُدفَع ثمنه بغير المال».
والمنصات الكبرى لا تقدِّم خدماتها بدافع الإحسان، بل وفق نموذج يُعرف بـ (اقتصاد الانتباه).
في هذا النموذج:
•المستخدم ليس هو العميل.
•المستخدم هو المنتَج.
•والمُعلِن هو العميل الحقيقي.
فالمنصة لا تبيع بيانات المستخدم الخام، وإنما تبيع قدرتها على التأثير فيه في اللحظة المناسبة نفسيًّا وسلوكيًّا.
أمثلة واقعية لكيفية تطبيق هذه الآليات:
لفهم المسألة بعيدًا عن التجريد، يمكن رصد تطبيقات عملية شائعة، منها:
مثال التصفح المتأخر ليلًا:
مستخدم ينشط رقميًّا بعد منتصف الليل، ويتوقف طويلًا عند محتوى سلبي أو تحذيري.
الخوارزمية تفسِّر ذلك على أنه:
•إرهاق نفسي.
•قابلية أعلى للتأثر العاطفي.
فتبدأ بعرض:
•محتوى “مطمئن”.
•أو إعلانات حلول سريعة.
•أو مقاطع ذات خطاب وجداني كثيف.
مثال التردد في النقر:
فتح إعلان، ثم إغلاقه ثم العودة إليه.
هذا النمط يُصنَّف رقميًّا على أنه:
•تردُّد.
•قلق.
فيُعاد عرض الإعلان بصياغة مختلفة، أو بضغط عاطفي أكبر.
مثال البحث الوجودي أو الديني القَلِق:
الانتقال المفاجئ من محتوى عام إلى:
•“كيف أرتاح نفسيًّا؟”.
•“لماذا أشعر بالضيق؟”.
•“الخوف من المستقبل”.
هذا لا يُفهم دينيًّا أو نفسيًّا، بل إعلانيًّا: فرصة تأثير.
غرف الصدى واستثمار القلق معرفيًّا:
من أخطر نتائج هذا النموذج ما يُعرف بـ (غرف الصدى)؛ حيث تقوم الخوارزميات•بدافع تعظيم التفاعل - بحصر المستخدم داخل دائرة من المحتوى:
•الذي يؤكد مخاوفه.
•ويعزز قلقه.
•ويُغذِّي انحيازه التأكيدي.
فالمستخدم القَلِق من قضية ما:
•لا يُعرَض عليه تنوُّع الآراء.
•بل يُغذَّى بما يوافق قلقه؛ لأنه الأكثر تفاعلًا.
وهكذا يتحوَّل القلق من حالة نفسية إلى عدسة معرفية مشوِّهة.
الذكاء الاصطناعي… عقل تنفيذي لا ضمير له:
الذكاء الاصطناعي ليس خَصْمًا للإنسان في ذاته، لكنه:
•يتعلَّم مما نفعله.
•ويُكافَأ على ما يطيل بقاءنا.
•ويُعدِّل المحتوى لتحقيق الهدف المرسوم له.
فالذكاء الاصطناعي:
•لا يملك قيمًا.
•ولا يميِّز بين نافع وضار.
•بل يُجسِّد غايات من صمَّمُوه.
فإن كانت الغاية:
•الربح.
•تعظيم التأثير.
•إدارة السلوك.
فسيُسخَّر الذكاء لتحقيق ذلك بأعلى كفاءة ممكنة.
وهنا تكمن الخطورة لا في الذكاء، بل في الغاية الحاكمة له.
البعد الشرعي – حفظ العقل في العصر الرقمي:
من مقاصد الشريعة العظمى: حفظ العقل.
ولا يقتصر حفظ العقل على: تحريم المسكرات، بل يشمل:
•حماية الوعي.
•وصيانة الإرادة.
•ومنع التلاعب بالتصوُّرات والاختيارات.
والتوجيه الخفي الذي تُمارسه المنصات:
•لا يُسقط التكليف.
•لكنه يُربك ميزان الاختيار.
•ويُضعف القدرة على التمييز.
ومن هنا يصبح الوعي الرقمي جزءًا من الفقه المعاصر، لا ترفًا ثقافيًّا.
الفجوة بين الوعي والتطبيق:
التحدي الحقيقي لا يكمن في المعرفة وحدها، بل في أن هذه المنصات:
•مصممة بآليات عصبية.
•تُفرز الدوبامين.
•وتُضعف الإرادة مع التكرار.
لذلك لا يكفي الخطاب الوعظي وحده، بل لا بد من:
ساتر تقني:
•إغلاق الإشعارات غير الضرورية.
•تحديد زمن الاستخدام.
•استخدام أدوات الحد من التصفح.
فصل وظيفي:
•فصل البحث العلمي عن التصفح العاطفي.
•فصل العمل عن الاستهلاك الرقمي.
البدائل العملية للمنصات التجارية:
من الخطأ تصوير المسألة على أنها خيار بين “الاندماج الكامل” و”الانسحاب التام”.
فالبدائل متعددة، منها:
•استخدام محركات بحث تحترم الخصوصية.
•تقليل الاعتماد على المنصات متعددة الأغراض.
العودة إلى:
•القراءة الطويلة.
•المصادر الأصلية.
•القنوات المعرفية غير الخوارزمية.
والبديل الأهم:
•تنويع مصادر المعرفة وعدم تسليم العقل لمنصة واحدة.
دور الحكومات والمؤسسات:
المسؤولية لا تقع على الفرد وحده.
فثمة أدوار لا غنى عنها لـ:
•الحكومات.
•المؤسسات التعليمية.
•الهيئات الشرعية والإعلامية.
ومن ذلك:
•سنُّ تشريعات تحمي الخصوصية.
•إلزام المنصات بالشفافية الخوارزمية.
•إدخال الوعي الرقمي في المناهج.
•دعم المحتوى المعرفي غير الربحي.
فالمسألة لم تعد فردية، بل قضية وعي مجتمعي.
القدوة الرقمية في التربية:
من أخطر الفجوات التربوية:
أن يُنصَح الأبناء بالحذر، بينما يرى الأبناء الوالدين أسرى للشاشات.
فالقدوة الرقمية: أبلغ من ألف توجيه، وأصدق من ألف محاضرة.
خاتمة:
لسنا أمام عالمٍ من المؤامرات، ولا أمام تقنية بريئة بلا أثر، بل أمام منظومة تأثير منظم.
والذكاء الاصطناعي: أداة، فإن ضُبط بالوعي نُفع به، وإن تُرك بلا بصيرة استُخدم ضد صاحبه.
وفي زمن الخوارزميات، يصبح حفظ العقل عبادة، والوعي فريضة، والتحكم في الذات نجاة.
النشر الأصلي
نُشر هذا المقال أولًا في شبكة الألوكة: قراءة المقال في مصدره