مقال

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات (5) أبرهة والفيل ودعوى الاقتباس من المكابيين

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات: المقال الخامس

شبهات فكرية وعقدية

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات: المقال الخامس

أبرهة والفيل ودعوى الاقتباس من المكابيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

هل يكفي أن نجد في كتاب قديم قصةً عن الفِيَلَة، حتى نحكم بأن خبر أصحاب الفيل مأخوذ منه؟ تُثار هذه الدعوى بالجمع بين أخبار أبرهة، واستعمال الفيلة في الحروب القديمة، وما ورد في أسفار المكابيين، ويُضاف إليها أحيانًا أن أبرهة مذكور في التراث الكنسي مع أخيه، وكأن هذا الوصف وحده ينقض ما ترويه المصادر الإسلامية.

والبحث المنصف يبدأ بتحرير هذه المسائل، فثبوت شخصية أبرهة، وتعيين قائد حملة الفيل، وصحة التفاصيل المروية عنها، ودعوى اقتباس القرآن من نص سابق، أسئلة مترابطة، لكنها لا تُجاب كلُّها بدليل واحد، كما أن رد الشبهة لا يقتضي إنكار كل تشابه، ولا تصحيح كل خبر اشتَهر على ألسنة الناس.

أولًا: ما الذي أخبر به القرآن؟

قال الله تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِأَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍوَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَتَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍفَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾[الفيل: 1 - 5].

تُثبت السورة أن الله أبطَل كيد أصحاب الفيل، وأرسَل عليهم طيرًا ترميهم بحجارة من سجيل، لكنها لا تسمِّي أبرهة، ولا تذكُر عدد الجيش، ولا تحدِّد سنة الواقعة بالتقويم الميلادي، وهذه ملاحظة في حدود النص، لا إنكار لما ترويه السيرة، وإنما تَمنع أن نُدخل كل تفصيل تاريخي في ألفاظ القرآن، ثم نجعل الاعتراض عليه اعتراضًا على السورة نفسها.

أما حبس الفيل، فورد في الحديث الصحيح، ففي خبر الحديبية حين بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما خلأتِ القَصواء وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبَسها حابس الفيل»1، فهذا شاهد من السنة في سياق التوجه إلى مكة وتعظيم حرماتها، وليس مجرد تفصيل أخذه بعض القصَّاص من حكاية أجنبية.

والمسلم يصدِّق خبر الله ورسوله، ثم يفحص ما زاد عليهما من الروايات بأدوات النقد المناسبة، ومن يناقش أصل حُجية الوحي فله بحث آخر، أما الزعم بأن هذا الخبر مقتبس من كتاب بعينه، فدعوى تاريخية تحتاج إلى دليلها الخاص، ولا تُصبح صحيحة بمجرد عدم إيمان قائلها بالقرآن.

ثانيًا: أبرهة في التاريخ والنقوش:

أبرهة حاكم تاريخي لليمن في القرن السادس الميلادي، وله حضور في النقوش والدراسات المتخصصة، وليس اسمًا لا يُعرف إلا في كتب التفسير، وكان حاكمًا مسيحيًّا، وخاض حملات عسكرية لتوسيع سلطانه، فلا تعارض أصلًا بين انتمائه الديني وقيادته جيشًا، ولا يصح اتخاذ ذلك الانتماء دليلًا على استحالة الحرب2.

ومن الشواهد نقش مُرَيْغان المعروف بالرمز «Ry 506»، والمؤرَّخ بسنة 552م، وهو يتصل بحملة لأبرهة في وسط الجزيرة العربية، ويحتفي بانتصاره، لكن ثبوت هذه الحملة لا يساوي ثبوت أنها بعينها حملة الفيل، وقد ناقش كريستيان روبان هذا الربط وبيَّن أسباب الاعتراض عليه3.

إذًا نستفيد من النقوش في إثبات الحاكم ونشاطه العسكري وبيئته التاريخية، ونقف عند حدود ما تدل عليه، فلا نقدِّم نقشًا عن حملة منتصرة بوصفه تسجيلًا صريحًا لهلاك أصحاب الفيل، ولا نجعل عدم توثيق الواقعة فيه برهانًا على أنها لم تقَع، فليس كل أثر سجلًّا شاملًا لحياة صاحبه، كما أن إمكان الحدث في سياقه التاريخي غير إثبات وقوعه بجميع تفاصيله.

ثالثًا: أيُّ أسفار المكابيين هو المقصود؟

الإحالة المجملة إلى «المكابيين» تُخفي فرقًا مؤثرًا، ففي سفر المكابيين الأول، الإصحاح السادس، ترد الفيلة ضمن جيش الملك الذي يقاتل يهوذا وجيشه، ويروي النص أن ألعازار اندفع تحت أحد الفيلة فقتَله، فسقط عليه فمات، ثم انسحَب جيش يهوذا أمام قوة الجيش الملكي4، فهذه قصة قتال، وليست قصة طير ترمي المعتدين بالحجارة، والفيلة فيها في الجيش المقابل للمكابيين.

أما سفر المكابيين الثالث، ففي الإصحاحين الخامس والسادس منه، قصة تهديد اليهود بالإهلاك بالفيلة في مصر، ثم يروي ظهور مَلَكين، واضطراب المعتدين، وانقلاب الفيلة على القوات التابعة لهم، ونجاة اليهود وإطلاق سراحهم5، وهذه المقارنة أقرب إلى موضع الشُّبهة؛ لاجتماع خطر الفيلة والخلاص بتدخُّل إلهي، فلا يكون الجواب أمينًا إذا اختزل التشابه في وجود حيوان واحد فقط، ومع ذلك فالفرق ظاهر: يروي السفر نجاة جماعة من إعدام مُدبَّر، وظهور مَلَكين، وانقلاب الفيلة على القوات، وتذكر السورة أصحاب الفيل وإبطال كيدهم بالطير والحجارة، والاعتراف بالقدر المشترك لا يُلزمنا بإلغاء هذه الفروق، كما أن ذكر الفروق وحده لا يغني عن بحث دعوى الاقتباس.

رابعًا: متى يصير التشابه دليلًا على الاقتباس؟

التشابه بداية سؤال، وليس حكمًا جاهزًا، ولكي ترجح دعوى اعتماد نص على آخر، ينبغي النظر في نوع العناصر المشتركة: أهي معانٍ واسعة، كنجاة المظلوم وهلاك المعتدي، أم ألفاظ وتفاصيل مميزة تتتابع على نسق يصعب تفسيره بغير الصلة؟ ثم يُبحث في قِدم النص المفترض، وإمكان تداوله، والقرائن التي تربطه بالنص المدروس.

ولا يَلزَم أن نجد نسخةً عليها اسم مَن نقل عنها حتى يُبحث احتمال التأثر، فقد تنتقل الأخبار شفهيًّا، وفي المقابل لا يكفي قولنا: إن الرواية كانت موجودة في العالم القديم، لنُثبت وصولها إلى شخص بعينه، فضلًا عن استعماله إياها، كذلك لا تجعل المسافة الزمنية الطويلة انتقالَ الخبر مستحيلًا، ولا تجعل أسبقيةُ أحدِ النصين كلَّ نص لاحقٍ شبيهًا به - فرعًا عنه.

ومَن يفسر الطير بالمَلَكين، والحجارة بانقلاب الفيلة، يحتاج إلى قرائن تبرِّر هذه التحويلات، لا إلى افتراض الاقتباس أولًا، ثم إعادة بناء النصين ليَلتقِيَا.

ويظل من حق الباحث أن يقارن بين الروايتين؛ لكن نتيجة المقارنة يجب أن تُصاغ بقدر أدلتها، فوجود نظير قصصي لا يُثبت وحده أن الواقعة الأخرى مختلقة، ولا أن القرآن أخذ خبَره منه.

خامسًا: تشابه الأسماء لا يوحِّد أصحابها:

تذكر التقاليد الإثيوبية أبرهة وأخاه أصبحة في سياق دخول المسيحية إلى أكسوم في القرن الرابع الميلادي، ويعرض معجم السِّيَر المسيحية الإفريقية هذه الرواية، مع التمييز بينها وبين الشواهد المعاصرة المرتبطة بالملك عيزانا، وذكر احتمال تعدُّد أسماء الملوك6، فهذا باب له مشكلاته التاريخية، ولا يجوز اختصاره في أن صاحب الاسم هو حتمًا حاكم اليمن في القرن السادس.

وعليه، فالاحتجاج بأبرهة المذكور مع أخيه يحتاج أولًا إلى إثبات وَحدة الشخصية، مع اختلاف الزمن والمكان والسياق، وحتى لو ثبت تعظيم طائفة لشخص ما، فهذه معلومة عن نظرتها إليه، وليست وحدها وثيقةً تنفي كل خبر عن حروبه، والميزان في تعيين الأشخاص هو مجموع الشواهد، لا تشابه الاسم أو مكانة صاحبه عند أتباعه.

خلاصة للشباب:

إذا سمعت أن قصة قرآنية «مأخوذة» من كتاب أقدم، فاطلُب النص المحدد، واقرأه في سياقه، ثم اسأل عن الدليل الذي يصل بين النصين، اعتِرف بالتشابه الموجود، وميِّز بين المقارنة والاقتباس، وبين خبر الوحي وتفاصيل المؤرخين، وفي مسألتنا: وجود أبرهة التاريخي تؤيِّده شواهد خارج الرواية الإسلامية، وفي المكابيين الثالث قصة تستحق المقارنة، لكن الجمع بين هاتين المعلومتين لا يُثبت أن سورة الفيل مقتبسة منه، وقوة الرد في عدله ودقَّته، وفي ألَّا يقول عن الدليل أكثر مما يَحتمل!

Footnotes

  1. صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، حديثَا 2731–2732، من خبر المسور بن مخرمة ومروان في الحديبية. ↩

  2. كريستيان جوليان روبان، «حملات الملك أبرهة العسكرية في الجزيرة العربية الصحراوية خلال السنوات 548–565م» (بالفرنسية)، محاضر أكاديمية النقوش والآداب، 2018، المجلد 162، العدد 3، ص 1313. ↩

  3. كريستيان جوليان روبان، «الجزيرة العربية في القرآن: إعادة النظر في بعض المصطلحات في ضوء النقوش السابقة للإسلام» (بالفرنسية)، ضمن «أصول القرآن، قرآن الأصول»، باريس، 2015، ص 42–44؛ في نقش مُرَيْغان ومناقشة ربطه بحملة الفيل. ↩

  4. سفر المكابيين الأول، الإصحاح 6، الفقرات 28–47، ولا سيما 43–47. ↩

  5. سفر المكابيين الثالث، الإصحاح 5، الفقرتان 1–2؛ والإصحاح 6، الفقرات 16–29. ↩

  6. أ. ك. إرفاين وبيلاينيش ميخائيل، مادة «أبرهة» المرتبطة بالقرن الرابع، معجم السِّيَر المسيحية الإفريقية، نقلًا عن معجم السِّيَر الإثيوبية، المجلد الأول، 1975؛ تُذكر فرضية الاسمين عيزانا وأبرهة على أنها فرضية، لا حقيقة مقطوع بها. ↩

النشر الأصلي

نُشر هذا المقال أولًا في شبكة الألوكة: قراءة المقال في مصدره

داخل السلسلة

هذا المقال من سلسلة «سلسلة الميزان: كيف نزن الشبهات» (الحلقة 5 من 5).