مقال

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات (3) الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات: المقال الثالث

شبهات فكرية وعقدية

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات: المقال الثالث

الإسراء والمعراج والمسجد الأقصى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

بيَّنَّا في المقال السابق أن اختلاف أسماء المدينة لا ينفي فضل المسجد الأقصى، وننتقل هنا إلى دعوى تتعلَّق بتعيين الموضع نفسه: هل المسجد الأقصى المذكور في آية الإسراء هو مسجد بيت المقدس، أم مسجد بالجِعْرانة قُرب مكة؟ وما علاقة ذلك بتاريخ بناء قبة الصخرة؟

هذه أسئلة لا تُحسَم بمجرد العثور على لفظ متشابه في كتاب، ولا بتاريخ بناء قائم اليوم، وإنما بجمع النصوص، وفَهم سياقها، والتمييز بين الموضع وعمارته، وبين ثبوت الخبر ودلالته، والنص الصحيح في الإسراء يذكر بيت المقدس صراحة، أما خبر الجِعرانة، فيتحدث عن موضع صلاة وإحرام، ولا يقول: إنه المقصود بآية الإسراء.

أولًا: تحرير الدعوى:

تقوم الحجة محل النقاش على مقدمتين: أن بعض كتب الأخبار تذكر بالجعرانة مسجدًا وُصف بالأقصى، وأن قبة الصخرة أُنشئت في العصر الأموي، ثم يُستنتج منهما أن الإسراء كان إلى الجعرانة، وأن ربطه ببيت المقدس نشأ لاحقًا لأغراض سياسية، وهذه صياغة لمعنى الحجة، وليست نقلًا حرفيًّا عن شخص بعينه.

والواجب ألا نُنكر وجود النص التاريخي أو البناء الأموي، بل أن نسأل: ماذا يثبت كل منهما؟ فوجود مسجد يحمل وصفًا مشتركًا لا يعيِّن المراد في كل نص ورد فيه الوصف، وتأخُّر عمارة ما لا يثبت تأخُّر أصل الموضع أو مكانته.

ثانيًا: النص الذي يعيِّن جهة الإسراء:

قال الله تعالى:﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾[الإسراء: 1].

وتأتي السنة الصحيحة ببيان الموضع، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء: «فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ»، ثم قال: «ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ»، وبعد ذكر خروجه ومجيء جبريل إليه، قال: «ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ»1.

فالحديث يسمِّي بيت المقدس، ويذكر دخول المسجد والصلاة فيه، ثم العروج إلى السماء في سياق متصل. ومنه يتبيَّن الفرق بين الإسراء، وهو السير ليلًا إلى المسجد الأقصى، والمعراج، وهو العروج إلى السماوات. فلا يَصِح إحلال خبر عن عمرة من الجِعرانة محل هذا الحديث، لمجرَّد اشتراك الخبرين في ذكر مسجد أو سير ليلًا.

وقال الطبري في تفسير الآية: «وقوله: إلى المسجد الأقصى، يعني: مسجد بيت المقدس»2، فالتعيين هنا مستند إلى بيان السنة وتفسير الآية، وليس قائمًا على الاسم الشائع للمدينة وحده، ولا على شكل أبنيتها في عصر لاحقٍ.

ومَن يناقش هذا التعيين يَلزَمه أن يتناول هذه الأدلة نفسها؛ أما إيراد نص آخر ورد فيه وصف «الأقصى»، من غير بيان أنه يتحدث عن الإسراء، فلا يعارض الحديث الصريح؛ إذ لم يثبت بعد أن النصين يتحدثان عن موضع واحد.

ثالثًا: ماذا جاء في خبر الجعرانة:

أورد الأزرقي في «أخبار مكة»، في باب مسجد الجعرانة - خبرًا يروي فيه ابن جريج عن محمد بن طارق لقاءه بمجاهد بالجعرانة، وفيه: «فأخبرني أن المسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى - مصلى النبي صلى الله عليه وسلم - ما كان بالجعرانة، قال: فأما هذا المسجد الأدنى، فإنما بناه رجل من قريش، واتخذ ذلك الحائط»3.

وسياق الخبر وصف موضعين بالجعرانة: أحدهما وراء الوادي، والآخر أدنى منه، وموضوعه معرفة موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وإحرامه، وليس تفسير سورة الإسراء، وليس في العبارة أن النبي صلى الله عليه وسلم أُسري به إلى هذا الموضع، أو أن بيت المقدس غير مراد بالآية.

فلفظ «الأقصى» يدل في أصل استعماله على الأبعد، ويتحدد المراد به من السياق، وهنا يقابله «الأدنى»، ويشرح موقعه بذكر الوادي وعدوته، وحتى لو جرى الوصف مجرى الاسم المحلي لهذا المسجد، لم يلزم أن يكون هو المسجد المذكور في القرآن؛ فاشتراك موضعين في اسم أو وصف، لا يجعلهما موضعًا واحدًا.

ثم إن إثبات وجود الخبر في كتاب الأزرقي غير الحكم بصحة جميع تفاصيله، فالمنقول هنا خبر يحكيه مجاهد، وليس بهذه الصيغة حديثًا مسندًا عن صحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا نجزم بصحة إسناده لمجرد وجوده في الكتاب، ولا نحتاج إلى ذلك لإبطال الاستدلال، حتى على فرض ثبوته، فإنه لا ينص على دعوى الإسراء إلى الجعرانة.

رابعًا: ما الذي يفيده ترتيب الأحداث:

ثبت في صحيح البخاري ذكر عمرة النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة؛ حيث قسم غنائم حنين4، فهذا يضع خبر العمرة في سياقه، ويمنع خلطه بخبر الإسراء، غير أن دقة الرد تقتضي ألا نستنتج من تاريخ هذه الزيارة وحدَه أن الموضع لم يكن موجودًا قبلها؛ فزيارة مكان في زمن معلوم لا تعني أنه أُنشئ في ذلك الزمن.

إذًا وجه النقد أن خبر العمرة لا يقول: إن موضع الإحرام هو مسرى النبي صلى الله عليه وسلم، أما الجزم باستحالة ذلك لمجرَّد تأخُّر الزيارة، فدليل لا ينهض وحدَه، والرد الصحيح يستغني بالنص الصريح عن حجة يمكن الاعتراض عليها.

وكذلك لا يصح نفي البركة عن موضع لمجرد قلة زرعه أو جفاف أرضه؛ فالبركة لا تُقاس بالمظهر الزراعي وحده، ولا حاجة إلى هذا المسلك أصلًا، ما دام الحديث قد سَمَّى بيت المقدس، فالمقصود أن نُحكم الاستدلال، لا أن نجمع كل عبارة تبدو مؤيدة للنتيجة.

خامسًا: المسجد غير صورة بنائه في عصر معيَّن:

مَنشأ جانب من الشبهة تصور أن لفظ «المسجد» لا يصدق إلا على بناء له قبة وجدران بالهيئة المعروفة اليوم، وهذا غير لازم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»5، فاستعمال اللفظ يتسع لموضع الصلاة، ولا يشترط هذه الصورة المعمارية.

وهذا الحديث يبيِّن معنى اللفظ، ولا يعيِّن وحده مكان المسجد الأقصى؛ فالتعيين يؤخذ من نصوصه الخاصة التي تقدَّمت، وبالجمع بين الأمرين يزول الخلط؛ يُعرف الموضع بالدليل، ولا يُشترط لإثباته أن تكون عمارته يومئذ مطابقة لما نراه الآن.

أما قبة الصخرة، فيؤرَّخ بناؤها في عهد عبد الملك بن مروان بسنة 72هـ، اعتمادًا على نقشها التأسيسي6، وهذا تاريخ عمارة محددة في الموضع، وليس في ذاته تاريخ ابتداء كل عبادة أو خبر متعلق به، كما أن قبة الصخرة بناء في ساحة المسجد الأقصى، فلا يصح جعل تاريخها تاريخًا للمسجد بكل ما يدل عليه اسمه.

وقد يقترن البناء بأغراض دينية وسياسية، لكن إثبات غرض سياسي معيَّن يحتاج إلى شواهده، وإثبات اختراع أصل المكانة يحتاج إلى دليل آخر، فمجرد نسبة البناء إلى حاكم لا يُبطل حديثًا، ولا يكفي لنسبة الرواية إلى صناعته، ومناقشة الرواية تكون بنقد إسنادها ومتنها، لا باستبدال تاريخ البناء بتاريخ الخبر.

سادسًا: الميزان في قراءة هذه الشبهة:

أمامنا ثلاثة أمور متمايزة: نص في الإسراء يذكر بيت المقدس، وخبر عن مسجد بالجعرانة، وتاريخ لبناء قبة الصخرة، ولا يصح دمْجها في قصة واحدة حتى تُثبت الصلة بينها، فكل خبر يُقرأ في موضوعه، ثم يُنظر في مقدار ما يدل عليه.

والحكم على الحجة لا يتوقف على هُوية مَن يروِّجها، أو الجهة التي تستفيد منها سياسيًّا؛ فقد يستغل صاحب غرض خبرًا صحيحًا، وقد يرفع صاحب نية حسنة حجة ضعيفة، وإنما يُعرف الصواب بالنصوص الثابتة والاستدلال المنضبط، وهنا لا يدل خبر الجعرانة ولا تاريخ القبة على نقل مسرى النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى موضع آخر.

خلاصة للشباب:

إذا وجدت في كتاب ذكر «مسجد أقصى» بالجعرانة، فاقرأ ما قبله وما بعده: أيتحدث عن الإسراء، أم عن موضع صلاة وإحرام؟ وميِّز بين مسجد في موضع معلوم، وبين بناء أُقيم فيه لاحقًا، حديث الإسراء في صحيح مسلم يذكر بيت المقدس، ثم العروج إلى السماء صراحةً، وخبر الجعرانة لا ينفي ذلك، وتاريخ قبة الصخرة لا يُبطله، فلا تجعل تشابه الألفاظ بديلًا عن فَهْم السياق، ولا تجعل قوةَ اقتناعك بالنتيجة سببًا للتساهل في دليلها.

والحمد لله ربِّ العالمين.

Footnotes

  1. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، حديث رقم 162، من حديث أنس بن مالك. ↩

  2. الطبري، جامع البيان، تفسير سورة الإسراء، الآية 1، عند بيان المراد بالمسجد الأقصى. ↩

  3. الأزرقي، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق رشدي الصالح ملحس، ج 2، ص 207، باب «في مسجد الجعرانة»، خبر ابن جريج عن محمد بن طارق عن مجاهد. ↩

  4. صحيح البخاري، كتاب العمرة، باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم، رقم 1780، وفيه ذكر العمرة من الجعرانة حيث قُسمت غنائم حنين. ↩

  5. صحيح البخاري، كتاب التيمم، حديث رقم 335، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو جزء من حديث «أُعطيت خمسًا». ↩

  6. يوسف النتشة، مادة «قبة الصخرة»، متحف بلا حدود، مشروع اكتشف الفن الإسلامي؛ فقرتا تاريخ المبنى وكيفية تأريخه، وفيهما سنة 72هـ والاستناد إلى النقش التأسيسي. ↩

النشر الأصلي

نُشر هذا المقال أولًا في شبكة الألوكة: قراءة المقال في مصدره

داخل السلسلة

هذا المقال من سلسلة «سلسلة الميزان: كيف نزن الشبهات» (الحلقة 3 من 5).