مقال

بين شهادة الجامعة ومدرسة الحياة: تأمل في تجربة شاب انقطع عن دراسته

بين شهادة الجامعة ومدرسة الحياة: تأمل في تجربة شاب انقطع عن دراسته

التربية والتعليم

بين شهادة الجامعة ومدرسة الحياة: تأمل في تجربة شاب انقطع عن دراسته

مقدمة:

الحمد لله. يمرُّ كثير من شبابنا اليوم بتجارب صعبة لا تُحَدُّ، تضطر بعضهم لترك دراستهم الجامعية والبحث عن رزق أو فرصة أفضل خارج بلادهم، بينما يستمر آخرون في مقاعد الدراسة دون أن يستشعروا حجم النعمة التي يعيشون فيها. وفي إطار عملي في التوجيه والإرشاد الأكاديمي، وردني سؤال من أحد الشباب الذين كانوا يدرسون في كلية الحاسبات والمعلومات في الجامعة ثم اضطُرَّ إلى الانقطاع والسفر.

كان السؤال صادقًا، واقعيًّا، يحمل ألم التجربة وأمل العودة، وكان هذا نصّه:

السؤال:

“كنتُ طالبًا في كلية الحاسبات والمعلومات، لكنَّ ظروفًا قاسية اضطرتني إلى ترك الجامعة والسفر للعمل. فهل يمكنني الالتحاق بالكلية من جديد والدراسة عن بُعْد من البلد الذي أقيم فيه؟”

وقد أجبته بما يلي:

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

حيَّاك الله يا أخي، وأسأل الله أن ييسر أمرك ويكتب لك الخير حيث كان.

الأصل في الجامعات داخل مصر أنَّ الدراسة فيها تتطلب حضورًا فعليًّا، ولا يُعتمد التعليم عن بُعْد اعتمادًا كاملًا في الجامعات الحكومية، ولا في أغلب الجامعات الخاصة،لكن توجد خيارات بديلة يمكن النظر فيها:

•برامج التعليم المدمج في عدد من الجامعات المصرية، وهي تجمع بين التعلُّم الإلكتروني وأيام محدودة للحضور.

•التعليم المفتوح في بعض المؤسسات التي لا تزال تقدِّم هذا المسار وفق ضوابط معينة.

•الالتحاق بجامعات خارج مصر تعتمد برامج التعليم عن بُعْد بشكل كامل، على أن تكون معتمدة ومُعترفًا بشهادتها.

كما يمكن- خصوصًا في مجال الحاسبات- الجمع بين العمل والدراسة الذاتية عبر المنصات العالمية، والحصول على الشهادات المهنية المعتمدة من الشركات التقنية الكبرى؛ فكثير منها يوازي أو يفوق في أثره الوظيفي بعض المسارات الأكاديمية التقليدية.

إن رغبت، أساعدك في تحديد الخيار المناسب بناءً على الدولة التي تقيم فيها وطبيعة التخصص الذي تميل إليه.

وفَّقك الله، وفتح لك أبواب الخير أينما كنت.

أولًا: رسالة إلى من اضطر لترك الجامعة: لا تحزن؛ فمدرسة الحياة أوسع:

كثيرون ظنُّوا أن الانقطاع عن الجامعة نهاية الطريق، فإذا به بداية جديدة، ومسار مختلف، وتجربة تصقل الشخصية وتفتح أبوابًا لم تكن في الحسبان.

خاصة في مجال الحاسبات والمعلومات؛ إذ لا يُقاس النجاح بالشهادة فقط، بل بالمهارة، والممارسة، والقدرة على التعلُّم الذاتي.

كم من مبرمج، ومطوِّر، ومهندس بيانات اليوم استطاع أن يصنع لنفسه مسارًا ناجحًا دون أن يحمل شهادة جامعية مكتملة، بل عبر الدورات المتخصصة، والمشروعات، والخبرة العملية، وحسن استثمار الوقت.

ومع هذا، فإنَّ العلم الشرعي ينبغي أن يكون زادًا ثابتًا في حياة المسلم، وهو أكثر ما يمنح القلب توازنًا، ويقينًا، وطمأنينةً تُعينه على مواجهة تحديات الحياة.

فيا من اضطرتك الظروف للغربة وترك الدراسة، لا تجعل الشهادة ميزان قيمتك، ولا نهاية طموحك.

واعلم أن أبواب النجاح كثيرة، وأن الرزق بيد الله، وأن التجارب- مع الصبر والتقوى- قد تصنع منك ما لا تصنعه القاعات.

واجمع بين عملك، وتطوير مهاراتك، ونصيب ثابت من العلم الشرعي؛ تجد الخير كله بإذن الله.

ثانيًا: رسالة إلى من لا يزال يدرس: احفظ نعمة الله عليك:

الجلوس اليوم على مقعد الجامعة نعمة كبرى لا يستشعرها إلا من حُرِم منها.

القدرة على الحضور، والاستماع، والمناقشة، والتجربة، ومتابعة الأساتذة… كل ذلك فضل من الله لا ينبغي أن يُستهان به.

إن كنت تدرس الآن، فلا تشتكِ من الكلية، ولا تزدَرِ تخصصك، ولا تضجر من المحاضرات.

فغيرك- ممن كان على مقعدك ثم اضطر للمغادرة- يتمنَّى يومًا واحدًا من أيامك.

ومن تمام شكر نعمة العلم: أن تجتهد، وتحافظ على وقتك، وتؤدي مسؤولياتك، وتُقبل على دراستك بنية صالحة وتوكُّل وثقة بالله.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].

والزيادة هنا تشمل التوفيق، والنضج، والنجاح، وسلامة الطريق.

ثالثًا: الرضا… مفتاح الخير في الحالين:

الرضا لا يعني الاستسلام، بل يعني أن يسعى العبد وهو مطمئن القلب، واثق بحكمة الله، راضٍ باختياره سبحانه.

من انقطع عن الجامعة يرضى ويسعى، ومن بقي فيها يرضى ويحافظ، وفي الحالين يتحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وارْضَ بما قسم اللهُ لكَ تَكُن من أَغْنَى الناسِ»؛ أخرجه الترمذي، (2305)، وابن ماجه (4217)، وأحمد (8095) باختلاف يسير.

«وارْضَ بما قسم الله لك»؛ أي: بما أعطاك الله من رزق، ولا تأسف على ما فاتك، من الدنيا، فالكون يسير بحكمته سبحانه، «تكن من أغنى الناس»؛ أي: يملأ الله قلبك، ويديك غنًى؛ لأن من رضي بما قسم له، ولم يطمع فيما في أيدي الناس استغنى عنهم، والغنى غنى النفس.

ومَن رزقه الله الرضا، وجد في قلبه نورًا، وفي حياته سكينة، وفي طريقه توفيقًا لا تُخطئه العين.

خاتمة:

لم يكن السؤال الذي ورد إليَّ سؤالًا إداريًّا فحسب، بل كان نافذة تطلُّ على حياة الشباب، وصراعهم مع الظروف، وتفاوت ما هم فيه من نِعَم وابتلاءات.

وهو تذكير بأن الطريق إلى النجاح ليس طريقًا واحدًا، وأن كل طريق- ما دام صاحبه يتقي الله ويجتهد- فهو طريق مبارك.

نسأل الله أن يفتح على شبابنا أبواب العلم والعمل، وأن يعوض من حُرِم، ويبارك لمن نال، وأن يجعل الرضا والتقوى نورًا لقلوبهم في كل مسارات الحياة.

النشر الأصلي

نُشر هذا المقال أولًا في شبكة الألوكة: قراءة المقال في مصدره