مقال

التعليم المختلط ومآلات التعلق العاطفي: قراءة في رسالة واقعية

التعليم المختلط ومآلات التعلق العاطفي: قراءة في رسالة واقعية

صفحة مقالمقال خارجيمقالات ودراسات تربوية

نبذة

مدخل موجز للعمل

التعليم المختلط ومآلات التعلق العاطفي: قراءة في رسالة واقعية

التفاصيل

التعليم المختلط ومآلات التعلق العاطفي: قراءة في رسالة واقعية

الحمد لله؛ أما بعد:

ففي زمن كثرت فيه الفتن، وتداخلت المسارات، وتراجعت كثير من القيم التي تحفظ للقلوب صفاءها، وللنفوس طمأنينتها، أصبحت الحاجة ماسة إلى مراجعة جادَّة للمفاهيم والتجارب، خصوصًا تلك التي يمر بها الشباب والفتيات في محيط تعليميٍّ ومهنيٍّ، يبتعد كثيرًا عن الضوابط الشرعية.

بين أيدينا رسالة كتبتها فتاةٌ بصدق ظاهر، تعبر فيها عن حَيرة روحية، وتخبط داخليٍّ، وفتور في العبادة، بعد مرحلة كانت تشهد فيها إقبالًا على الطاعة، وصفاء في الصلة بالله عز وجل، وقد جاءت هذه الرسالة لتكشف عن أزمة متكررة في واقع بناتنا وشبابنا؛ حيث يفضي التواصل المختلط - ولو في بيئة دراسية محترمة في ظاهرها - إلى علاقات لا يُحمَد مآلها، ويكون أول ما يُصاب فيها: القلب، والروح، والعلاقة مع الله تعالى.

إن التجربة التي ترويها صاحبة الرسالة لا ينبغي أن تمر مرورًا عابرًا، بل يجب أن تكون مدخلًا صادقًا للحديث عن خطورة الاختلاط في التعليم، حتى لو ظن البعض أن الجوَّ العام منضبط أو أن البنات “محترمات”، فالأصل أن الشرع لا يبني أحكامه على حسن النية فقط، بل على درء المفاسد قبل وقوعها، وما أكثر ما تبدأ العثرات الكبيرة بخطوة صغيرة، تساهل فيها المرء بدعوى البراءة أو حسن الظن!

وما من سبيل للنهوض بعد العثرة، ولا للخروج من التخبط، إلا بالعودة إلى العلم الشرعي الرصين، الذي يعلِّم المسلم كيف يعرف ربه، وكيف يتوب توبة صحيحة، وكيف يفهم الواقع بمنظار الإيمان، ويميِّز بين مداخل الشيطان ودعوات الرحمن، وما أحوجنا اليوم إلى أن نربيَ أبناءنا على أن طلب العلم الشرعي ليس ترفًا، بل هو ضرورة حياتية وإيمانية، تمنح الإنسان البصيرة، والميزان، والطمأنينة عند الفتن والضغوط!

ولأن هذه الرسالة قد تمثل حالَ كثير من بنات المسلمين ممن خاضوا تجربة مشابهة، نضعها اليوم مع الجواب الموجِّه لها؛ رجاء أن تكون تذكِرةً لمن وقع فيها، وتنبيهًا لمن لم يقع بعد، وعونًا لكل من يريد أن يعود إلى الله بصدق، ويبدأ من جديد.

نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، والصدق في التوبة، والإخلاص في السير إليه سبحانه.

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا كنت طالبة عند حضرتك، أحتاج أن أصارح حضرتك بأمر وأطلب النصيحة.

أشعر أني تائهة، والدنيا ضاغطة عليَّ جدًّا، وسأحكي ما بداخلي؛ لعل الله يجعل في كلامك سببًا لهدايتي، وخروجي من هذا التخبط.

في المرحلة الجامعية، منَّ الله عليَّ بالهداية والالتزام، رغم أني لم أكن أعرف شيئًا عن الدين من قبل، نشأت على الخمار دون وعي، ثم هداني الله للنقاب عن قناعة في شبابي، وكنت أجد لذة الطاعة والقرب من الله.

في مشروع التخرج، كان معنا زميل محترم على خُلق، ولم يكن في بالي أي شيء تجاهه، لكن حصل بيننا تواصل، ثم زاد التعلق، وانتهى الأمر بالزواج، وهو زوجي الآن وأب لأولادي، والحمد لله.

لكن منذ ذلك الوقت، وأنا أشعر أني فقدت شيئًا كبيرًا من علاقتي بالله، لم أعُد أجِد الفتح في الطاعات، ولا أعيش نفس الروحانيات، رغم أنني تبت توبة صادقة من ذلك التواصل قبل الزواج.

أنا الآن أعمل، ودرست تمهيدي ماجستير، ثم توقفت لآخُذ هدنة مع نفسي، أشعر أن الدنيا أصبحت في قلبي أكثر مما كانت، وأنني فقدت البوصلة، وأخاف من أن أكون على طريق خاطئ، أو أن يكون هذا الشعور بسبب ذنبي القديم، أو تقصيري الحالي.

هل ما فعلته كان خطأ لا يُغتفر؟ وهل راسلتك الآن بشكل لا يليق؟ لا أعلم لماذا اخترتك بالذات، لكن أرجو أن تساعدني، ولو بدعوة.

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد ابنتي الكريمة الفاضلة:

فقد وصلتني رسالتكِ وتأملتها طويلًا، وقرأت ما فيها من صدق، وما تحمله من معاناة واضحة، وحَيرة ظاهرة، وما تكشفه من صراع نفسي وروحي، دفعكِ إلى أن تستنصحي وتبحثي عن مخرج، وهذه – والله – علامة خير فيكِ، إذ ما زال في القلب حياة تدفعه لطلب النصيحة، والبحث عن طريق العودة إلى الله.

أحب في البداية أن أطمئِنَ قلبكِ وأُذهب عنكِ بعض الحَيرة التي وقعتِ فيها، ثم أسلِّط الضوء على ما أراه أسبابًا جوهرية أدت إلى هذه الحال:

أولًا:كثير من حَيرتكِ التي تعبر عنها رسالتكِ منشؤها “قلة العلم الشرعي”، الذي من آثاره أن تتوه النفس بين الأوهام والتصورات الخاطئة، فتعتقد أن ذنبًا واحدًا قد يدمر حياتها، وهذا غير صحيح، بل إجماع علماء الأمة على أن مقام آدم عليه السلام بعد توبته من الذنب كان أعلى وأشرف عند الله من مقامه قبل الذنب؛ لأن الله يحب التوابين ويحب الذين يتطهرون، فكيف تظنين أن باب الرحمة مغلق أمامكِ؛ بسبب ذنب تبتِ منه وندمتِ عليه بصدق؟!

ثانيًا:لاحظت في رسالتكِ بوضوح شديد أثر مكر الشيطان وخداعه، فهو يهوِّل من ذنب مضى وتبتِ منه بصدق، ليصرف نظركِ عن أمور أكثر أهمية قد تكون موجودة في حياتكِ الآن، وهي أخطر عليكِ وعلى علاقتكِ بالله، مثل طبيعة عملكِ الحالي، وهل فيه اختلاط غير منضبط بضوابط الشرع؟ وهل المجال نفسه مباح شرعًا؟ فالشيطان يبعدكِ عن التفتيش في الذنوب المتجددة التي قد تكون أكثر تأثيرًا من الماضي، أنصحكِ هنا بالمراجعة الصادقة لكل تفاصيل حياتكِ الحالية، فما وجدتِ فيه مخالفة واضحة، فابتعدي عنه فورًا وبدون تردد.

ثالثًا:ظهر في رسالتكِ بوضوح أيضًا شيء من القنوط واليأس من رحمة الله، وسوء الظن به سبحانه، وهذه من أخطر المسائل التي تكشف عن نقص في معرفة الله عز وجل وأسمائه وصفاته، رحمة الله أوسع بكثير من ذنبك، سبحانه يحب توبتكِ، كما ألمس فيكِ خوفكِ من عقوبته، أنتِ بحاجة لتصحيح المفاهيم؛ بالتعرف على رحمة الله وعفوه، وقبوله توبةَ عباده، وأنه سبحانه لا يعامل العبد بما يستحق، بل بكرمه ورحمته.

رابعًا:أنت تشتكين من فتور في العبادة والطاعة، وكأنكِ تنتظرين من قلبكِ أن يتحركَ أولًا حتى تتحركي أنتِ في العبادة، وهذه معادلة خاطئة؛ فالصواب أن تبدئي أنتِ وتستمري في العبادة والطاعة، فيتحرك قلبكِ ويعود إلى النشاط من جديد، قال أهل العلم: إن الظاهر يؤثر في الباطن، والمداومة على الطاعة – حتى وإن لم تجد لذتها في البداية – تثمر عودة قلبكِ إلى الحياة من جديد.

خامسًا:طبيعة انشغالكِ بالبيت والأولاد هي سبب طبيعي للفتور في العبادة يشعر به كثير من النساء، وهو أمر طبيعي وجزء من عبوديتكِ لله، لكن المهم هنا هو تجديد النيات، والاحتساب بأن هذه الأعمال التي تقومين بها في خدمة أسرتكِ، إن كانت نيتكِ فيها التقرب إلى الله، ستكون سببًا في رفعة درجتكِ عند الله تعالى، فلا تنسَي أن هذه مسؤولية عظيمة لا تقل أهمية عن عباداتكِ الفردية، فالنفع المتعدي مقدَّم في أحيان كثيرة على النفع القاصر، ولكل مقامه، ودرجته، وحكمه.

سادسًا:ذكرتِ في رسالتكِ أنكِ شعرتِ أن الدنيا بدأت تدخل إلى قلبكِ بعدما كانت في يدكِ، وهذه نقطة مهمة وتدل على وعيٍ عميق منكِ بحالكِ، فالدنيا يجب أن تبقى دائمًا في أيدينا لا في قلوبنا، وأن تعرفي موضعها من قلبكِ من خلال أولوياتك، ومدى حزنكِ وتأثركِ إذا قصرتِ في عبادتكِ أو طاعتكِ لله.

أما نصيحتي لكِ ووصاياي العملية؛ فهي:

1-جددي نيتكِ كل صباح ومساء وعند النوم؛ بأن هدفكِ وغايتكِ رضا الله والقرب منه.

2-بادري فورًا إلى ترتيب أوراد عباداتكِ اليومية بانتظام؛ من صلاة، وأذكار، وقيام ليل.

3-زيدي من ورد القرآن اليومي، واجعلي لكِ حدًّا ثابتًا لا تتنازلين عنه مهما حدث، وأنصح أن تضيفي إلى وردكِ اليومي قراءةَ سورة البقرة يوميًّا، مع وردكِ من القرآن.

4-احرصي على تعلم العلم الشرعي بانتظام، خاصة ما يتعلق بأسماء الله الحسنى، وصفاته، وأبواب التوبة، والمغفرة.

5-راجعي حياتكِ، واعملي على إغلاق أي باب يأتيكِ منه الذنب بوضوح، سواء في العمل أو غيره.

6-علمي أولادكِ محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهذه صدقة جارية لكِ تظل حسناتها لا تنقطع.

7-لا تسمحي للشيطان أبدًا أن يبقيكِ في دائرة الندم المحبِط، بل استخدمي هذا الندم كوقود يدفعكِ إلى الأمام، وإلى قرب جديد من الله عز وجل.

وفي الختام:

إن الله الذي هداكِ من قبل هو نفسه سبحانه القادر أن يردكِ إليه ردًّا جميلًا، وما شعوركِ بالحَيرة والألم إلا نداء من الله لتعودي إليه بكامل قلبكِ، فلا تيأسي، ولا تحزني، بل انطلقي بثقة ورجاء في رحمة الله، فإنه سبحانه لا يرد عبدًا أتاه تائبًا صادقًا.

أسأل الله لكِ أن يفتح عليكِ فتوح العارفين، وأن يردكِ إليه ردًّا جميلًا، وأن يجعل بيتكِ عامرًا بالإيمان، وأولادكِ من الصالحين المصلحين، وأن يرزقكِ سَكينة القلب وطمأنينة النفس.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

النشر الأصلي

المقال منشور أيضًا على شبكة الألوكة

هذه الصفحة تُظهر نسخة داخلية منظمة من المقال ضمن أرشيف الموقع، بينما يظل النشر الأصلي متاحًا على شبكة الألوكة.

الانتقال إلى المقال على شبكة الألوكة