مقال

الإصرار على الخطأ أخطر من الخطأ نفسه

الإصرار على الخطأ أخطر من الخطأ نفسه

صفحة مقالمقال خارجيتنمية المهارات

نبذة

مدخل موجز للعمل

الإصرار على الخطأ أخطر من الخطأ نفسه

التفاصيل

الإصرار على الخطأ أخطر من الخطأ نفسه

الحمد لله؛أما بعد:

فمن الحقائق التي قررها الشرع، وأثبتها الواقع، أن الإنسان ضعيف بطبعه، تعتريه الغفلة، وتغلبه الشهوة، ويقع منه الخطأ، صغر أو كبر، ولم يكن هذا خافيًا على الشريعة، بل بُني الخطاب الشرعي ابتداءً على هذا المعنى، دون تزوير لطبيعة الإنسان أو ادعاء لعصمته.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرد الوقوع في الخطأ، وإنما في الاستمرار فيه والإصرار عليه.

فكل شرٍّ قد يتصوره الإنسان في الرجوع عن الخطأ، فالاستمرار في الخطأ أشر منه وأبعد أثرًا.

فالخطأ – مهما عظم – له بداية، أما الإصرار عليه فليس له نهاية.

الضعف البشري لا يبرر الإقامة على الذنب:

يقرر القرآن حقيقة الضعف الإنساني بوضوح؛ قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].

لكن هذا الضعف لم يكن يومًا مسوغًا للرضا بالمعصية، ولا مبررًا للتصالح معها، ولا ذريعة للإقامة عليها، فالشرع لا يطالب الإنسان بعدم الخطأ، وإنما يطالبه بعدم الرضا بالخطأ، وبالمبادرة إلى التوبة والرجوع.

والأصل في الشريعة هو السلامة من الذنب، غير أن الفضل – بعد وقوع الذنب – إنما يكون لمن بادر بالتوبة، لا لمن أصر واستقر.

الميزان القرآني في التفريق بين الزلة والإصرار:

جاء القرآن بميزان دقيق فاصل في هذا الباب؛ فقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ*أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 135، 136].

فالآية لم تنفِ وقوع المؤمن في الفاحشة، لكنها نفت عنه الإصرار: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ [آل عمران: 135] ليست لفظة عابرة، بل حد فاصل، وضابط كاشف لحقيقة الإيمان في القلب.

فالمؤمن قد تزل قدمه، لكنه لا يطمئن إلى الذنب، ولا يسكن إليه، ولا يسوغه لنفسه، بل يذكر الله، ويستغفر، ويرجع، ويشعر بثقل الذنب في قلبه.

التفريق بين الإصرار والتكرار… رفع الحرج عن المكافحين:

ومن الدقة العلمية والعدل التربوي التفريق بين الإصرار على الذنب وتكرار الوقوع فيه.

فليس كل من تكرر منه الذنب مصرًّا عليه شرعًا؛ لأن الإصرار حقيقة قلبية قبل أن يكون سلوكًا ظاهريًّا.

فمن وقع في الذنب، وهو كاره له، ضائق به، مجاهد نفسه على تركه، كلما سقط قام، وكلما ضعف استغفر، فهذا ليس مصرًّا، وإن تكرر منه الفعل.

أما الإصرار المذموم، فهو أن يقع في الذنب وقلبه مطمئن إليه، راضٍ به، غير نادم عليه، ولا عازم على مفارقته.

وهذا التفريق يرفع الحرج عن كثير من المكافحين، ويمنع اليأس، ويقرر أن دوام المجاهدة مع الندم علامة حياة، لا علامة هلاك.

الإصرار حالة قلبية قبل أن يكون فعلًا:

الإصرار على المعصية ليس مجرد تكرار للفعل، بل هو حالة قلبية قوامها الرضا، والتسويغ، والاستقرار.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين المؤمن والفاجر:

المؤمن قد يقع في الذنب، لكنه لا يقيم عليه، ولا يدافع عنه، ولا يحوِّله إلى هوية.

أما الفاجر فمشكلته ليست في الذنب ذاته، بل في الإصرار عليه، وتبريره، وربما المجاهرة به.

ولهذا قال السلف: المعاصي بريد الكفر، لا لأن كل عاصٍ يكفر، ولكن لأن الإصرار يميت المراقبة، ويهوِّن أمر المخالفة، ويُخشى معه سلب الإيمان وسوء الخاتمة.

من الإصرار إلى التبرير … مرحلة أشد خطرًا:

ومن دقة البيان القرآني أن الله حذر من مرحلة أخطر من مجرد الإصرار، وهي مرحلة الدفاع عن الخطأ وتبريره؛ فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107].

فالذي يعصي الله ثم يصر، ثم يطلب من غيره أن يجادل عنه أو يسوغ له، إنما يخون نفسه؛ لأنه يوردها موارد الهلاك وهو يظن أنه يحسن إليها.

وقد نبه المفسرون إلى أن قوله تعالى: ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107] يدل على أن الذنب – وإن بدا موجهًا إلى الخارج – فإن حقيقته أنه يرتد على صاحبه، فيفسد قلبه، ويجره من معصية إلى معصية.

بين الستر المشروع والتسويغ المذموم:

يفرِّق الشرع بوضوح بين:

الستر والنصيحة، وهما بابا رحمة، مقصودهما رد العاصي إلى الحق.

وبين التسويغ والجدال، وهما بابا فتنة، نتيجتهما تطبيع المعصية وإماتة الإحساس بالذنب.

فالدفاع عن الخطأ ليس رحمة، بل مشاركة في تثبيت صاحبه على باطله.

أثر البيئة والمجتمع في ترسيخ الإصرار أو كسره:

ولا يمكن عزل الإصرار عن سياقه الاجتماعي؛ فالمجتمعات التي تشجع ثقافة التبرير، وتهون من شأن الذنب، وتحول الخطأ إلى «أمر طبيعي»، تسهم في تثبيت الناس على معاصيهم.

أما البيئات التي تعظم الذنب دون فضيحة، وتفتح باب النصيحة دون تشهير، فإنها تعين على التوبة وتيسر الرجوع.

الأمل ورحمة الله … الباب المفتوح دائمًا:

ومع التحذير من الإصرار، لا بد من فتح باب الرجاء، حتى لا يتحول الخوف إلى قنوط.

قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُوَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَوَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 53 - 55].

فمن أصر زمنًا، ثم صدق في الرجوع، فباب التوبة مفتوح، ولا يمنعه طول الذنب السابق، وإنما يمنعه الإصرار الحاضر.

خاتمة: سؤال المراجعة الصادقة:

ليس السؤال الحقيقي:

هل أخطأت؟

فهذا لا يكاد يسلم منه أحد.

وإنما السؤال:

هل رضيت بالخطأ؟ وهل دافعت عنه؟ أم جعلته جسرًا للرجوع إلى الله لا مقامًا للاستقرار؟

فهنا يعرف صدق الإيمان، وبه يتميز المؤمن من غيره، لا بالدعوى، بل بالموقف بعد الزلة.

والله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

النشر الأصلي

المقال منشور أيضًا على شبكة الألوكة

هذه الصفحة تُظهر نسخة داخلية منظمة من المقال ضمن أرشيف الموقع، بينما يظل النشر الأصلي متاحًا على شبكة الألوكة.

الانتقال إلى المقال على شبكة الألوكة