مقال

نسخة اليونيني

نسخة الحافظ شرف الدين اليونيني (ت 701 هـ) من صحيح البخاري من أعظم الأصول الموثوقة للصحيح؛ وصفها وأسانيدها، وأهميتها في ضبط الفروق بين الروايات، والمطبوعات التي اعتمدت عليها.

الحديث وعلومه

وصف عام لنسخة اليونيني

تُعَدُّ نسخة الحافظ شرف الدين اليونيني (ت 701 ه) من صحيح الإمام البخاري من أعظم الأصول الموثوقة للصحيح البخاري. نُسِبَت هذه النسخة إلى الإمام علي بن محمد بن أحمد البعلي اليونيني الحنبلي، المشهور بـ اليونيني. شَرع اليونيني في إعداد نسخته الفريدة في دمشق حوالي سنة 666 هـ، حيث عقد مجلسًا علميًّا كبيرًا استغرق نحو سنة كاملة شارك في هذه المجالس ثُلَّةٌ من كبار العلماء والحفَّاظ، أبرزهم الإمام النحوي ابن مالك الأندلسي (ت 672 هـ) الذي استعان به اليونيني لضبط الألفاظ وتشكيلها. وقد تولَّى اليونيني القراءة والإملاء في هذه الجلسات، بينما راقب ابن مالك قراءته وضبط مخارج حروفه وصوابه اللغوي ثم قام اليونيني بتصحيح النص وتقييد ما رجَّحه ابن مالك من أوجه الإعراب أو القراءات اللغوية. نتج عن هذا الجهد المضني نسخةٌ أصيلة كتبها اليونيني بخطّه أو بإشرافه المباشر على كاتب موثوق تمتاز بالدقَّة المتناهية في نصِّ صحيح البخاري وقد أنجز اليونيني مقابلة نسخته على الأصول المعتمدة في سنة واحدة، ثم قرأها وأسمعها للناس إحدى عشرة مرَّة في عام واحد، مما يدل على عناية فائقة بنشرها وضبطها. كُتِبت النسخة بخطٍّ واضح وضبطٍ متقن. اعتمد اليونيني في أصل نسخته على رواية الكُشْمِيهَني (أبي الهيثم الكشميهني المتوفى 389 هـ) بشكل أساسي، وهي الرواية التي انتشرت عبر تلامذته ككريمة المروزية وغيرها، وكانت هي الرواية المشهورة في بلاد المشرق حينذاك. وتمثَّلت عناية اليونيني بهذه الرواية في كونه تلقَّى الصحيح بأسانيده المتصلة إلى الكشميهني عن الفربري عن البخاري، مما أكسب نسخته أصالة السند واتصال الرواية.

أسانيد نسخة اليونيني

امتازت نسخة اليونيني بأنها جمعت بين عدة أسانيد وروايات معتمدة لصحيح البخاري، مما أعطاها قوة علمية ونقدية عالية. حرص اليونيني على توثيق طرق التحمل والأداء التي وصلته بهذه الروايات في مقدمة النسخة وهوامشها. ويمكن إبراز أهم تلك الأسانيد والروايات كما يلي:

رواية الكُشميهني عن الفِرَبْري: وهي إحدى الطرق الأساسية التي اعتمدها اليونيني. فقد روى اليونيني «صحيح البخاري» بأسانيده عن شيوخه إلى أبي سهل الحفصي عن أبي الهيثم الكشميهني عن الإمام الفربري محمد بن يوسف (ت 320 هـ) عن الإمام البخاري. وبهذا اتصلت نسخة اليونيني مباشرةً بأحد كبار رواة الصحيح في القرن الرابع الهجري. وقد كانت رواية الكشميهني تتميّز بالدقة، وتلقتها جماعة من العلماء في المشرق كالعالمة كريمة المروزية التي سمعت الصحيح من الكشميهني نفسه. لذا فالنسخة اليونينية أتت موصولة السند بهذه الطريق العالية، مما يمنحها ثقة عالية في نقل متن «الصحيح».

رواية أبي الوقت السجزي: اعتمد اليونيني أيضًا على طريق الحافظ أبي الوقت عبد الأول السجزي (ت 553 هـ) الذي أخذ الصحيح عن أبي الحسن الداوودي (ت 467 هـ) عن الحمُّويّي (أحمد بن حمُّويه، ت 381 هـ) عن الفربري. وقد حصل اليونيني على أصلٍ مسموع على أبي الوقت بقراءة الحافظ أبي سعيد السمعاني (ت 562 هـ)، وهي نسخة نفيسة وصفها اليونيني بأنها أصل أصيل وأحد أصول سماعات دمشق وخراسان، قُرِئ على جماعة من الحفَّاظ. وقد جعل اليونيني نسخة أبي الوقت إحدى المراجع الرئيسة في مقابلته، وأشار إليها بالرمز «ط» في هوامش نسخته.

رواية أبي ذر الهَرَويّ: وهي رواية الإمام أبي ذر عبد بن أحمد الهروي (ت 434 هـ) عن ثلاثة من كبار تلامذة الفربري، وهم الحمُّويّي والمُستملي والكُشميهني. تميّز أبو ذر الهروي بأنه سبق اليونيني في جمع الاختلافات بين روايات شيوخه الثلاثة في نسخة واحدة، فكانت نسخته أقدم محاولة لجمع الروايات المتعددة. استخدم اليونيني نسخة أبي ذر كأحد أصول المقابلة، وأشار إلى روايته بالرمز «5» في الهوامش.

وقد حرّر اليونيني الفروق بين رواية أبي ذر الجامعة لطرق المستملي والحمويّي والكشميهني وبين رواية كريمة المروزية عن الكشميهني بدقة بالغة، مما ساعد في ضبط النص وتنقيحه.

رواية الأصيلي: وهي رواية الإمام أبي عبد الله محمد بن سفيان الأصيلي (ت 392 هـ) عن أبي زيد المروزي (ت 371 هـ) عن الفربري. اعتمدها اليونيني ضمن أصوله وأشار إليها بالرمز «ص». وكانت نسخة الأصيلي مشهورة بالأندلس والمغرب، وتناقلها العلماء لما عُرف عن الأصيلي من الضبط والإتقان.

رواية ابن عساكر: استعان اليونيني أيضًا بما وجده لدى الحافظ المؤرخ ابن عساكر الدمشقي (ت 571 هـ) من طرق متعددة لصحيح البخاري. وقد كان ابن عساكر لديه نسخة من الصحيح لم يُصرّح فيها بإسناده، إلا أنه جمع روايات عدة، منها طريق أبي سهل الحفصي عن الكشميهني، وغيرها. أشار اليونيني إلى ما نقله عن ابن عساكر برمز «س» في هوامشه. وبهذا أثبت اليونيني أسانيد متعددة في طيّ نسخته، وإن لم يفرد سند ابن عساكر الكامل، لكنه استفاد من مروياته لضبط الاختلافات.

لقد وثَّق اليونيني أسانيد هذه النسخة في مقدمة عمله وفي حواشي المخطوطة. فبيَّنَ أسماء رواتها ورموز النسخ التي قابل بينها، وحرص على التنبيه إلى مواضع الإبدال والإسقاط في كل رواية. هذا العمل الكبير في توثيق الأسانيد جعل النسخة اليونينية مرجعًا في غاية الأهمية لضبط متن «البخاري»؛ إذ لم يترك اليونيني خلافًا جوهريًا بين الروايات إلا وأثبته إما في المتن أو في الهامش مع عزوِه إلى صاحب الرواية. وكانت ثمرة هذا الجهد نصًّا متقنًا متصل السند، يجمع خلاصة روايات المشرق والمغرب للصحيح. ومما يدل على إتقان عمل اليونيني قول الإمام الذهبي في ترجمته: قابَلَ اليونيني نسخته من صحيح البخاري في سنة واحدة، وأسمَعها إحدى عشرة مرة في سنة، في إشارة إلى تعدد مرات العرض والسماع للتوثق من صحة النسخة.

إن قيمة النسخة اليونينية تتجلّى عند مقارنتها بروايات أخرى لـ «صحيح البخاري» ومخطوطاتها الشهيرة. فقد جمع اليونيني في نسخته خلاصة أربع روايات أساسية: الكشميهني عبر كريمة، وأبو ذر الهروي، والأصيلي، وأبو الوقت السجزي، وابن عساكر، بينما تفرّدت روايات أخرى ببعض الزيادات أو الاختلافات.

اتسمت نسخة اليونيني بمنهج الجمع والمقابلة بين الروايات، في حين أن معظم المخطوطات الأخرى كانت تمثل رواية واحدة بعينها فمثلاً، رواية أبي ذر الهروي جمعت بين ثلاث روايات من الطبقة السابقة لها، لكنها تبقى محدودة بتلك الطرق الثلاث. أما اليونيني فجاء بعد أبي ذر بأكثر من قرنين فوسع نطاق الجمع ليشمل روايات إضافية ومخطوطات متعددة في آنٍ واحد. وكذلك رواية الأصيلي أو رواية أبي الوقت كلٌّ منهما تمثّل خط رواية مستقل؛ عن أبي زيد المروزي، أو عن الداوودي مثلاً، ولم يكن أصحابها يجمعون الروايات الأخرى ضمن نسخهم. بينما وازنت نسخة اليونيني بين هذه الروايات ووثّقت اختلافاتها في موضع واحد. وهذا منحها ميزة نقدية لا توجد في المخطوطات الأحادية الرواية.

عند مقارنة النص اليونيني بالنصوص الأخرى، تظهر اختلافات لفظية طفيفة لكنها مهمة لدى علماء الحديث؛ بعضها قد يتمثل في زيادة كلمة أو نقصانها، أو اختلاف في لفظ رسول الله ﷺ، أو اختلافا في صيغ الأداء، ونحوه. وقد حرص اليونيني على إثبات هذه الفروق. بيَّن اليونيني هذه الفروق والاختلافات وأثبتها بوضوح، ورمز إليها بكل دقة، فقد دوّنت النسخة اليونينية القراءة الأساسية المعتمدة على رواية الكشميهني غالبًا في المتن، ثم أشارت إلى اختلافات الروايات الأخرى في الهامش بالرموز المناسبة وبهذا حافظت على وحدة النص مع عدم إهمال أي اختلاف مهم. وفرت هذه الطريقة للعلماء مادة ثرية للمقارنة، فمثلاً إذا ورد لفظ معين في «التلقيح» للبرهان، والذي نقل منه أبو ذر في «التوضيح» أمكننا الرجوع للنسخة «اليونينية» من خلال «الطبعة السلطانية» للتحقق من صحة ودقة هذا العزو. وقد اعترف ابن حجر العسقلاني نفسه بأهمية نسخة اليونيني، فذكر أنه اطَّلع عليها أثناء شرحه للصحيح، رغم أنه اعتمد في الغالب على رواية أبي ذر الهروي في نقوله، والمُلاحظ أن البرهان وابن حجر، ومن قبلهما شيخهما ابن الملقن، وسار على ذلك القسطلَّاني وكثير من شرّاح «البخاري» كثيرًا ما يرمزون في شروحهم إلى اختلاف نسخ «البخاري».

وهناك روايات أخرى لـ«البخاري» أقل انتشارًا، لم تكن ضمن مشروع اليونيني، ربما لندرة وصول أصولها. فاليونيني ركز على الروايات التي تأكد لديه صحتها وتواتر نقلها في عصره ومع ذلك، تبقى منهجية اليونيني في جمع الروايات قابلة نظريًا لاستيعاب أي رواية ثابتة أخرى بإضافة رمز لها وتقييد اختلافاتها، مما يبرز مرونة منهجه العلمي ودقته.

أهمية النسخة اليونينية في ضبط الفروق بين الروايات

مثَّلت نسخة اليونيني نقلة نوعية في خدمة صحيح البخاري وضبط نصوصه، حتى عُدَّت أوثق مرجع نقدي للكتاب ويمكن تلخيص أهمية هذه النسخة عبر النقاط التالية:

ضبط النص وتصويب الأخطاء: بفضل مقابلة اليونيني الدقيقة، تم تصحيح كثير من الأخطاء النسخية التي كانت قد تتسلل عبر القراءات الفردية. فقد قارن الحافظ بين النسخ المختلفة، فإذا وجد لفظة شاذة في إحدى الروايات نبه عليها وقابلها بغيرها. كما أن وجود ابن مالك النحوي في مجلس المقابلة ساعد على تشكيل الكلمات المبهمة وتوضيح الإعراب دون المساس بأصل لفظ الرواية، وهذا يعني أن النسخة اليونينية حَفِظت لنا لفظ الصحيح كما نطق به الرواة الثقات، مصحوبًا بالضبط التام للشكل والحركات.

جمع ما تفرّق من روايات: صارت نسخة اليونيني مرجعًا جامعًا للفروق بين روايات البخاري الأساسية. فمنذ إنجازها في القرن السابع الهجري، اعتمدها العلماء لضبط أي اختلاف في ألفاظ الأحاديث. فإذا أشكل موضعٌ ما من صحيح البخاري بسبب اختلاف النسخ، كان الرجوع إلى نسخة اليونيني أو فروعها كفيلًا بتبيان الصواب أو على الأقل حصر أوجه الخلاف. ولذا قيل بحق إن نسخة اليونيني أعظم أصل يوثق به ويطمأن إليه في صحيح البخاري، إذ نتجت عن جهد تحقيق جماعي نادر بحضور أكابر العلماء. وقد استفاد المُحَدِّثون والنُّقاد من هذه النسخة في مؤلفاتهم؛ فالمزي في «تحفة الأشراف» مثلًا يعزو الفروق إلى مناشئها، والبرهان في «التلقيح»، وابن حجر في «فتح الباري» يعتمدان على تمييز الروايات عند شرح ألفاظ الحديث، وكل ذلك مبني على عمل اليونيني ومن سبقه كأبي ذر الهروي.

منهج نقدي رائد: يعتبر عمل اليونيني رائدًا في منهج التحقيق المقارن للمخطوطات قبل عصر الطباعة. فقد وضع قواعد عملية للمقابلة بين النسخ، مثل اصطلاحه للرموز: «5» أبا ذر، «ص» الأصيلي، «ش» الدمشقي، «ظ» أبا الوقت، وقد ذكر ها في أول الكتاب. هذا النظام أشبه ما يكون بطريقة الأجهزة النقدية الحديثة المستخدمة اليوم في إخراج النصوص المحققة وبفضله حافظ اليونيني على هيكل النص الأصلي مع استيعاب الخلافات في الحواشي دون تشويش. كذلك فإن نسخته شهدت انتشارًا واسعًا في حياته وبعدها، فنُسخت منها فروع متعددة سُمّيت «فروع اليونينية»، انتشرت في الشام ومصر وغيرهما، مما ساعد على ترسيخ قراءتها كمرجع قياسي.

الثقة والاستناد إليها عبر العصور: اعتُبرت النسخة اليونينية معيارًا يصحح به غيرُها. حتى إن بعض العلماء حين لم يظفر بالأصل اليونيني اعتمد على فرع موثوق منه. على سبيل المثال، عند الإمام شهاب الدين القسطلاني (ت 923 هـ) في شرحه «إرشاد الساري»، قابل كتابه أولًا على فرعٍ عن «اليونينية» يخصّ الشيخ الغزولي، ثم وُفِّق لاحقًا بالحصول على الأصل اليونيني نفسه فقابل عليه ثانية. ووصف القسطلاني ذلك الفرع بأنه فرع متقَن نفيس، ثم زاد اليقين عندما قابل على الأصل. وهكذا صار اسم «اليونينية» علما على صحة النص، فأي نسخة تُنسخ عنها تكتسب ثقة وضبطًا. ولم يزل أهل العلم عبر القرون ينقلون عن «اليونينية» أو ينبهون في الأصل اليونيني كذا، اعتمادًا على سمعتها الراسخة.

باختصار، وفَّرت النسخة اليونينية ميزانًا دقيقًا لضبط كتاب «صحيح البخاري»، قلَّ أن يوجد له نظير في باقي كتب الحديث ومما يدل على فضل هذا العمل الريادي استمراره كمصدر معتمد حتى دخول عهد الطباعة وما بعده، كما سنرى في اعتماد المطبوعات عليه.

المطبوعات التي اعتمدت على النسخة اليونينية

مع ظهور الطباعة في العالم الإسلامي في القرن الثالث عشر الهجري، كان نص «صحيح البخاري» أحد أهم ما سعى العلماء لإخراجه في طبعات محقَّقة. وقد أفاد المحققون الأوائل كثيرًا من نسخة اليونيني وفروعها في إعداد الطبعات المرجعية. وأبرز الطبعات المعتمدة على هذه النسخة هي:

الطبعة السلطانية (الأميرية ببولاق): هي أشهر الطبعات القديمة لـ «صحيح البخاري» وأعلاها قدرًا. أمر بطباعتها السلطان عبد الحميد الثاني - رحمه الله - في المطبعة الأميرية ببولاق في مصر سنة 1311 هـ، وفرغ منها في أوائل سنة 1313 هـ في أربعة أجزاء. اعتمدت هيئة التحقيق في هذه الطبعة على النسخة اليونينية أساسًا، إلى جانب فروع أخرى صحيحة مشهورة وقد وضع المحققون هوامش للطبع تشمل رموز الروايات فنجد في حواشي الطبعة السلطانية إشارات مثل: «5» لأبي ذر الهروي، و«ص» للأصيلي، و«س» لابن عساكر، و«ط» لأبي الوقت، و«هـ» للكشميهني، و«حـ» للحموي، و«سـ» للمستملي، و«ك» لكريمة، و«حهـ» لاجتماع الحموي والكشميهني، و«حسـ» للحموي والمستملي، وتارة توجد تحت «حهـ» و«حسـ» «5» أو غيرها إشارة إلى روايته عنهما، وتارة توجد قبل الرمز «لا» إشارة إلى سقوط الكلمة الموضوعة عليها «لا» عند أصحاب الرمز الذي بعدها، وقد يوجد في آخر تلك الجملة التي عليها «لا» لفظ «إلى» إشارة إلى آخر الساقط عند صاحب الرمز. ومن الرموز «ع» ولعلها لابن السمعاني، و«ج» ولعلها للجرجاني، و«ق» ولعلها للقابسي، و«ح» و«عط» و«صع» ولم يعلم أصحابها، وربما وجد رموز غير ذلك لم تعلم أيضًا، ويوجد على بعض الكلمات «خـ» أو «ـخـ» أو «خ» وهي إشارة إلى أنها نسخة أخرى، وقد يوجد على الكلمة لفظ «صحـ» إشارة إلى صحة سماع هذه الكلمة عند المرموز له أو عند الحافظ اليونيني، تمامًا على نهج اليونيني في نسخته. كما قاموا بالعزو إلى مصادر أخرى عند الحاجة، مثل الإحالة إلى «تحفة الأشراف» للمزي وشرح العيني، وشرح القسطلاني لضبط أماكن الأحاديث وترقيمها. وعلى الرغم من جلالة قدر هذه الطبعة، إلا أن الشيخ أحمد محمد شاكر - رحمه الله - لاحظ أنها لم تُثبت كل تعليقات اليونيني الهامشية كاملة، بل أسقطت بعضها أو أجملتها دون بيان. يقول أحمد شاكر بعد اطلاعه على أصل اليونينية: يظهر لي أن النسخة السلطانية لم يُثْبِت طابعوها كلَّ ما في الأصل اليونيني؛ بل تركوا أكثره ولم يذكروه. ومع ذلك تبقى «الطبعة السلطانية» أو «طبعة بولاق» هذه الأفضل في زمانها، وقد نُسِخت عنها معظم الطبعات اللاحقة في العالم الإسلامي.

الخلاصة

خلاصة القول إن نسخة اليونيني لصحيح البخاري تمثل إنجازًا علميًا وتراثيًا بالغ الأهمية في علم تحقيق النصوص الحديثية فقد جمعت الروايات المختلفة تحت راية واحدة، ووثَّقت اختلافاتها بأمانة ودقة، مما جعل نص الجامع الصحيح أكثر إحكامًا وثقة ولم يكن غريبًا أن يحظى هذا الجهد بالتخليد والتقدير عبر القرون شرف الدين اليونيني، وأن تعتمد عليه أشهر الطبعات القديمة والحديثة فبالنسخة اليونينية حُفظ لنا «صحيح البخاري» كما رواه الثقات، مع بيان فروق الأداء بين رواياته، في مصنف واحد متكامل فهي بذلك صفحة مشرقة في تاريخ خدمة السنة النبوية وعلوم الحديث، ومرجعٌ لا غنى عنه لكل باحث ومحقق في «صحيح البخاري».