مقال

قصة قصيرة: يُعَاقَبُ الْمَرْءُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ

أبٌ توسّع في الاختلاط الأسري يريد أن يجمع المال والقرابة في كيان واحد، فكان سببًا في الفرقة؛ وصدق من قال: يُعاقَب المرء بنقيض قصده.

كُتاب الألوكة

رجلٌ أنعم الله عليه بالمال والرزق، يعمل خارج البلاد، وترك أسرته في المدينة: زوجته، وولدان وبنت - كلهم في أعلى الكليات.

وكان لهذا الرجل أخٌ يسكن في قريتهم القديمة، مع زوجته، في حال متوسط من الرزق.

حرص الأب على صلة الرحم، فكان يُلزم أولاده وزوجته بالذهاب المستمر إلى القرية؛ لزيارة الجد والجدة، بحسن نية منه في تقوية الأواصر. إلا أن الأب، مع أخيه، غفل عن حدود الله في هذه الصلة، فظنّ أن الاختلاط الأسري لا بأس به، بل شجع عليه، وتوسع فيه.

أما الابن الأكبر، فكان ناصحًا لوالده، محذرًا من عواقب الاختلاط المحرم، ومذكّرًا بحرمة الخلوة والانبساط بين الرجال والنساء دون ضوابط الشرع، قائلاً:

يا أبي، ما هكذا تكون صلة الرحم، هذا اختلاط مُحرَّم، وستكون له عواقب وخيمة.

لكن الأب أبى، وكان في نفسه مراد: أن يزوّج أبناءه من بنات أخيه، ويجمع المال والقرابة في كيان واحد.

ومرّت الأيام، وكَبِر الأولاد، وزاد التوسع في الزيارات، والمبيت، والسهرات، حتى ألفت القلوب، وتراخت النفوس، وسُلب الحياء من المواضع.

لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، فخالف الأبناء أمر أبيهم:

  • تزوّج الابن الأكبر من فتاة من خارج الأسرة.
  • ثم تبعه أخوه، فتزوج من أخرى كذلك.
  • وبقيت البنت، فبدأت المحاولات، وكثرت الضغوط، لكنها تزوجت في نهاية المطاف من شاب لا يمتّ للأسرة بصلة.

عندها، انقلبت الموازين، وثارت حفيظة العم وزوجته، واشتد غضبهم، إذ رأوا أن المال سيذهب خارج حدود العائلة! وكأنّ النسب والمال أولى من طاعة الله.

ازداد الخلاف، وبدأ الأب يتحامل على أبنائه بلا سبب، وظهر تحكم شديد من العم وأسرته في حياة الأب، وماله، وقراراته.

وذات مرة، في مناسبة عقيقة عند العم، حدث أمرٌ لا يُطاق:

دخل زوج ابنة العم إلى الشقة الخاصة بالابن الأكبر، وأغلق على نفسه الباب مع أمه وأولاده، بينما كانت زوجة الابن وأطفالها يبحثون عن مكان يناموا فيه.

فلما علم الابن بذلك، ثارت غيرته، وخرج مغضبًا، مُستنكرًا على أبيه وعمه هذا التجاوز، فأُهدر حقه، وتُرك مظلومًا، لا يُنصر.

بل، وطالبه الأب بعد ذلك أن يزور العم، بل واتهمه بالتقصير في حق العائلة، وهو الذي لم يُنصفه، ولم يُقِم شرع الله، وهو الذي كان دائمًا يُصلّي، ويقرأ القرآن.

وهكذا تفاقمت الأمور، وتقطّعت العلاقات، وضعفت صلة الابن بأبيه، وبدأت تنهار الجسور.

وصدق من قال: يُعَاقَبُ الْمَرْءُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.

فالأب أراد جمعَ الشمل بالاختلاط، فكان سببًا في الفرقة.

أراد حفظ المال والنسب، فخرج المال وذهب النسب، وضاع ما تبقى من هيبة، وانهارت القيم في بيته.

فيا عباد الله، أقيموا حدود الله تُحفظ لكم بيوتكم، ولا تُقدّموا العادات على الشريعة، فإن الله لا يصلح عمل المفسدين، ومن يعص الله فقد ظلم نفسه، ولن يجد له من دونه وليًا ولا نصيرًا.