مقال

على شاطئ العودة: حكاية بين نور التأسيس وظلال الأضواء – قصة قصيرة

قصة شاب متحمس طلب الردود والأضواء قبل التأسيس العلمي، فانزلق إلى الطعن في كبار العلماء، ثم أعاده الله إلى الجادة بصبر صديقيه وحوارهما ودعائهما.

كُتاب الألوكة

مدينة على الساحل

في مدينة ساحلية هادئة، حيث يلتقي الأذان بصوت الموج، كان سامي يعيش حياته بين عملٍ مرهق وأسرةٍ تحتاجه، لكن قلبه شعر أنه بحاجة إلى زادٍ إيماني.

وفي إحدى الليالي، لمح إعلانًا عن دورة شرعية مكثفة لثلاثة أيام في المسجد الكبير المطل على البحر، عنوانها: تأسيسٌ للمبتدئ، وتذكيرٌ للمنتهي.

همس لنفسه:

هذه فرصتي… ثلاثة أيام أفرغ فيها قلبي لله.

تعارف وبداية صداقة

في اليوم الأول للدورة، كان المسجد عامرًا بطلبة العلم من أبناء المدينة. هناك تعرّف سامي على أحمد؛ شاب بشوش، طيب المعشر، كريم الطبع. لم تمضِ جلسة حتى أصبح روحَ المجلس؛ يُمازح، ويُساعد، ويأتي بالفواكه للجميع بعد يوم طويل.

تعرف سامي كذلك على علي، شاب رزِين هادئ الطباع، صار لاحقًا همزة الوصل بينه وبين أحمد، اسمه: عَليّ.

ومنذ اللقاء الأول، لاحظ سامي أن أحمد شديد الحماسة، يتحدث عن حلمه في أن يظهر في الإعلام ويرد على أعداء الإسلام، وكانت في نبرته لمسة خفية من حبّ الظهور.

النصيحة على الطريق

بعد انتهاء اليوم الأخير من الدورة، عرض سامي على أحمد أن يوصله بسيارته إلى منزله القريب من الشاطئ. كان الطريق طويلًا بما يكفي ليبوح أحمد برغبته:

يا سامي، لم أكمل حتى الآن كتابًا في العقيدة، لكني أريد التخصص في الرد على النصارى والملحدين.

ابتسم سامي وقال بهدوء:

يا أحمد، قال الله تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]

التأسيس أولًا، ثم الردود. الردود نافعة، لكن لا يخوض فيها إلا من أتمّ بناءه العلمي. ابْنِ بصيرتك في العقيدة والفقه والتفسير والحديث، ثم سيأتي وقت الردود.

هز أحمد رأسه موافقًا، لكن بريق الحماسة ظل في عينيه.

دورات متكررة… وبوادر تغيّر

مرت الشهور، وعُقدت دورة ثانية، ثم ثالثة في المسجد نفسه. كان سامي يفرح برؤية أحمد في كل مرة، لكن لاحظ تغيّرات صغيرة مع كل لقاء:

  • اهتمام أحمد بالتصوير والنشر ازداد.
  • بعض تعليقاته على العلماء أصبحت أكثر جرأة.
  • يلتقط صورًا كثيرة على البحر، ويشاركها مع جمهور متزايد على وسائل التواصل.

سامي كرر نصيحته، وأشرك عليّ، الذي كان مقربًا من أحمد، ليساعده في النصح.

الدورة الرابعة… والانزلاق الواضح

في الدورة الرابعة، بدا أحمد مختلفًا:

  • يميل للجدل أكثر من التلقي.
  • يتحدث بإعجاب عن بعض الأصوات الحدّاديّة.
  • يستشهد بمقولات غريبة على أسماع طلاب العلم.

بعدها بأسابيع، وقعت الصدمة:

سامي يتصفح الإنترنت، فيرى أحمد في بث مباشر مع شيخ حدّادي مثير للجدل، يضحك لمزاحه ويردد عباراته.

قال سامي لنفسه مصدومًا:

أحمد؟! أهو أحمد نفسه؟!

توالت المقاطع؛ تصريحات أكثر جرأة، حتى جاء المقطع الذي كسر قلب سامي: أحمد يهاجم بعض كبار العلماء صراحة.

قلق وحزن ومحاولة فهم

اتصل سامي بـ عَليّ، وسأله بقلق:

يا عَليّ، ما الذي جرى لأحمد؟ هل ما زلت على تواصل معه؟

أجابه عَليّ بأسف:

تباعدت صلتي به… نصحته أن يبتعد عن ذلك الشيخ، لكن لا حياة لمن تنادي.

جلس سامي في صمت، كأن الكلمات أثقلت قلبه. شعر بذنب داخلي:

هل قصرت في متابعته والتواصل معه؟ هل كنت أستطيع أن أفعل أكثر؟

شرخ في الجدار

لم يكن انحراف أحمد انغماسًا أعمى بلا تفكير.

مع مرور الوقت، بدأ يلمس تصدعات في الصورة البراقة التي انجذب إليها:

سمع الشيخ الحدادي الذي يتبعه يتحدث باستهانة عن نصوص شرعية مقدسة، فارتبك قلبه.

رأى بعض رفقاء الأضواء يتسابقون على الظهور، يتنافسون على الإعجابات والمتابعين، حتى لو بالجدل الفارغ أو بانتقاد العلماء الأجلاء.

صدمته رسائل قاسية من بعض من ظنّهم رفقاء، ينهرونه إن حاول أن يتريث أو يسأل.

ثم جاءته لحظة فارقة: جلس ليلةً يعدّ المقاطع التي صوّرها، والبوستات التي كتبها، والمنشورات التي شاركها. أحصى كل ما نشره منذ بدأ رحلته مع الأضواء.

فوجد أنه لم يُقدّم علمًا نافعًا يُقرب إلى الله، بقدر ما وجد في تلك المنشورات طعناً في كبار العلماء، طعنًا في عدالتهم وضبطهم.

نظر إلى هاتفه طويلًا وقال في نفسه:

كيف ألقى الله عز وجل وهؤلاء خصومي؟! كيف ألقى الله ولم أتعلم حقيقةً، ولم أقدم ما قدموا، ولم أنهل من علمهم ثم وقفت في صف من يطعن فيهم؟!

في تلك اللحظة، شعر لأول مرة أن طريق الأضواء لم يملأ قلبه، بل أثقله، وأنه يحتاج إلى مخرج.

لقاء على البحر

في أحد الأيام، وبينما يتمشّى سامي على كورنيش المدينة الساحلية، لمح أحمد جالسًا على صخرة قريبة من الموج، ملامحه مثقلة، وعيناه شاردتان.

جلس بجانبه، فسكت الاثنان لحظة، ثم قال أحمد بصوت مبحوح:

لقد أخطأت الطريق… الشهرة أحرقت قلبي قبل أن تخدم ديني.

هز سامي رأسه بهدوء، واتصل بـ عَليّ قائلًا:

علينا أن نفعل شيئًا.

رحلة العودة

لم يكتفِ سامي وعلي بالحزن؛ قررا خطة هادئة لإعادة أحمد إلى الجادة.

لم ييأسا سريعًا: كانا يعلمان أن الانجراف استغرق وقتًا طويلًا، والعودة ستأخذ وقتًا.

جلسا معه جلسات هادئة: استمعا أكثر مما تكلما؛ سألاه بدل أن يتّهماه:

أحمد، ما الذي جذبك إلى تلك المنابر؟ ما الذي وجدته في الأضواء ولم تجده في مجالس العلم؟

ذكّراه بالماضي: بالأيام الأولى في طلب العلم، بالفرح الذي شعر به حين تعلم العقيدة، وبالإخلاص الذي كان يتحدث عنه.

كانا نموذجًا عمليًا: استمرا في طريق العلم بهدوء، وأظهرا في سلوكهما ما يدعوان إليه.

استعانا بأهل علم يثق بهم أحمد: جلسوا معه، نصحوه بلا جدال ولا قسوة، ففتحت كلماتهم ثغرات في قلبه.

لم ينسيا الدعاء: كل ليلة رفع سامي يديه قائلًا: اللهم اهد أحمد، اللهم رده إليك ردًّا جميلًا.

خاتمة على الشاطئ

بعد أشهر من الحوار والصبر والدعاء، اجتمع الثلاثة - سامي، وأحمد، وعلي - على الشاطئ ذاته الذي شهد البدايات والانكسارات.

جلس أحمد بينهم، وعيناه دامعتان، وقال:

أخطأت الطريق… وأحمد الله أن جعل لي أصدقاء لم يتركوني أضيع.

ابتسم سامي وقال:

الحمد لله أولًا وآخرًا… الهداية والتوفيق من الله.

كان الموج يضرب الشاطئ بهدوء، لكن هذه المرة بدا البحر رمزًا لرحلة مكتملة: تيارات جارفة حاولت أن تبتلع أحمد، لكن عناية الله ورحمته أعادته إلى بر الأمان.