مقال

مريم.. زهرة القرآن التي سكنت السماء

قصة مريم، الفتاة الحافظة لكتاب الله، التي سقطت من الدور الرابع فبقيت ٧٢ يومًا في المستشفى ولسانها عامر بالحمد، وما صاحب وداعها من رسائل الطمأنينة.

كُتاب الألوكة

بيت طاهر.. وتربية نادرة

في بيتٍ مصونٍ بالإيمان، تزيّنه الطاعة، وتؤنسه تلاوة القرآن، كانت تسكن مريم، ابنة الدكتور سمير عبد الرازق، أستاذ نظم المعلومات بكلية الحاسبات، جامعة المنصورة، وفلذة كبده، التي طالما تمنى أن يُكنّى باسمها، فكان أحب أسمائه إليه: أبو مريم.

أما والدتها، دكتورة صيدلانية فاضلة، شاركت زوجها في بناء بيتٍ على التقوى، فخرجت مريم طيبة النشأة، رفيعةَ الخلق، حافظةً لكتاب الله، تميل إلى الستر الكامل، وتتمنى لبس النقاب، وكل من عرفها لمس فيها أدبَ القرآن وحياء المؤمنات.

وكانت مريم في عمر الخامسة عشرة، لكنها فاقت في نُضجها وإيمانها كثيرًا ممن تجاوزوها سنًّا، نحسبها ولا نزكيها على الله.

الابتلاء العظيم

وفي لحظةٍ تهتزّ لها القلوب، كان والدها يصلي المغرب في المسجد، وإذا برسالة القدر تطرق الباب…

مريم سقطت من الدور الرابع!

نُقلت إلى مستشفى الطوارئ بالمنصورة، في حالة حرجة، دخلت في صراعٍ مع الجراح والكسور المتعددة، لكن لسانها بقي عامرًا بالحمد، فكلما أفاقت قالوا لها: “عاملَة إيه؟” فترد بثبات: الحمد لله

والقرآن لا يُفارِق شفتيها، وكأنها تُنهي به عمرًا طاهرًا، لا يشبه الأعمار…

رحلة الثبات والصبر

٧٢ يومًا في المستشفى…

أبو مريم يبيت عندها كل ليلة، وأمها تلازمها بالنهار…

عيون لا تنام، وقلوب لا تتوقف عن الدعاء، ووجوه صابرة محتسبة، وثقة عميقة أن الله يختار الخير لعباده ولو خفيت حكمته.

ثم جاء الموعد…

رحلت مريم.

كرامات الوداع

لكن حتى لحظة الوداع… أرسل الله رسائل الطمأنينة، وبشائر الرضا.

إجراءات تصريح الدفن - التي عادة ما تُرهق أهل المريض - سُهِّلت عجبًا، وكأن يدًا من السماء تمهّد الطريق.

الشرطة، النيابة، المستشفى… كل شيء يُسر بطريقة تُشعرك أن مريم منتظَرة هناك، حيث تُكرم الأرواح الطاهرة.

خرجت سيارة الإسعاف من المستشفى في المنصورة تحمل الجثمان مع أذان المغرب…

وقف زملاء والدها للصلاة على الطريق دون اختيار مسجد محدد، وإذا بالإمام يقرأ:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]

فهل هي مصادفة؟ أم هي رسالة ربانية تُربت على القلوب الصابرة؟

ثم… وصلوا إلى ميت مرجا سلسيل، القرية التي نشأت فيها مريم بجوار المنصورة، مع أذان العشاء، والمسجد الكبير في القرية لا يتسع لقدم، وإذا إمام المسجد على بعد عشرات الكيلومترات يُعيد ذات الآية…

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]

نعم… إنها رسالة الله عزوجل لأهل الإيمان.

عِبَرٌ لا تُنسى

  • حُسن الخاتمة لا يُشترى، بل يُغرس في البيوت المؤمنة.

  • من عاش على الطاعة، مات على نورها، وشُيّع على عطرها، وبُعث على أملها.

  • الله عز وجل يُرسل رسائله لعباده، ليُثبتهم، ويُظهر لهم أن البلاء لم يكن عذابًا، بل اصطفاء.

  • الرجاء لا يكون في الطب، ولا في الأجهزة، ولا في مهارة الأطباء وحدهم، مهما تقدّم علمهم؛ فإنما هي أسباب، لا تُغني شيئًا إلا بإذن رب الأسباب.

  • من علّق قلبه بالله وحده، عاش مطمئنًا، ورأى من ربّه ما يُدهشه في لحظات الألم، والوداع، وفي كل موطن يحتاج فيها إلى الثبات.

  • يا شباب الأمة، لا تؤخروا التوبة حتى تشيب الرؤوس وتضعف الأجساد، فالموت لا يعرف الأعمار، ومن قال: “سأتوب حين أكبر” فليس عنده عهد أنه سيكبر، ولا وعد أنه سيتوب إن كبر… فاستبقوا الخيرات، وسارعوا إلى رب الأرض والسماوات.

اللهم اجعل مريم شفيعةً لوالديها، واربط على قلوبهم، وارفع درجاتهم، واجعل ما أصابهم رفعة لهم في الدنيا والآخرة، واجمع مريم مع أمهات المؤمنين، وألحق والديها وأختها بها في الصالحين.