الحمد لله.
من أعجب ما قرأت في أحد الكتب المعاصرة التي تخصصت في الطعن في «صحيح البخاري» على لسان مؤلف الكتاب ما يلي: «وحتى لا أكون أحد الكذابين، بحثت وتوصلت لنتائج يحتويها هذا الكتاب، وأرجو أن يعلم كل قارئ لكتابي هذا، أنه نتاج بحثي ودراستي الخاصة، وأنني أتعبد ربي بما علمته واستقر في قلبي، وأن لكل إنسان على وجه الأرض كامل الحق في التعلم والتفكر والخروج بما يعتقده حقًا يتعبد به لربه، بل إنه واجب على كل مسلم أن يتعلم دينه وأن يتعبد ربه بما استقر في نفسه وبما اعتقده، فاتباع الأوائل والآباء بلا تفكر ولا تدبر لمجرد أنهم الأوائل وأنهم الآباء، حتى لو كانوا على الباطل، أمر يستنكره رب العالمين بوضوح ويرفضه ويذمه، بل أدخله بعض العلماء في دائرة الشرك.»
وهذا يذكرني بسؤال بعنوان «الرد على ادعاءات بعض الطوائف المبتدعة» تم توجيهه إلى دار الإفتاء المصرية1 وجاء الجواب في الفتوى رقم (3427) بتاريخ 12 سبتمبر 2006 م ونص السؤال:
عندنا أناس يسمون أنفسهم أهل القرآن والحديث، أو أهل التوحيد، وعندهم من المبادئ:
-
إنكار حجية الإجماع والقياس.
-
القول بعدم جواز تقليد مذهب من المذاهب الأربعة أو غيرها، ويوجبون الاجتهاد على كل أحد، ولو لم يكن عالمًا باللغة العربية.
-
يقولون بعدم الاحتجاج بأقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ لأنهم -في زعمهم- خالفوا القرآن وسنة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
وكان الجواب:
هذه الأقوال الفاسدة لا تصح نسبتها إلى أهل السنة والجماعة؛ ولا إلى أهل الحديث ولا إلى أهل الرأي، بل ولا إلى أي مذهب يُعتَدُّ به من المذاهب الإسلامية؛ بل المتفق عليه عند علماء المسلمين أن الإجماع حجة قاطعة لا يجوز مخالفتها، وهو ما يُشكِّل هُويَّة الإسلام، ويُعبَّر عنه بـالمعلوم من الدين بالضرورة؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، والأخبار التي تواترت في معناها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الأمة لا تجتمع على ضلالة.
كما اتفق مَن يُعتَدُّ به من الفقهاء على حجية القياس بشروطه المذكورة في كتب الأصول؛ حتى أفتى جماعة من الفقهاء بأنه لو وُقِفَ وقْفٌ على الفقهاء لم يَدخُل فيه منكرو القياس.
أما القول بوجوب الاجتهاد على كل أحد2 حتى لو كان جاهلًا بالعربية مع تحريم تقليد المذاهب الأربعة وغيرها فهو نوع من الهوس الذي لا يصح أن يُنسَب إلى العقلاء، وتكليف العامي بالاجتهاد كتكليف الزَّمِن المُقعَد بالطيران؛ فهو تكليفٌ بما لا يُطاق، فإذا انضاف إلى ذلك تحريم تقليد المذاهب الأربعة المتبوعة فقد آل الأمر إلى هدم قواعد الإسلام باسم الإسلام، وإلى تضييع السنة بدعوى التمسك بالسنة، وحينئذٍ فيجب على أهل العلـم أن يتدخلوا لوأد هذه الفتنة العمياء التي تنشر هـذه الأقوال الفاسـدة، والتي لو اطَّلع مَن يُرَدِّدها على حقيقة أمرها ومآل القول بها لَما وَسِعَه إلا إنكارُها والتبري منها لو كان مخلصًا مريدًا وجه الله تعالى.
أما حجية أقوال الصحابة إذا اختلفوا فهي محل خلاف بين العلماء، والكلام في ذلك مبسوط في كتب الأصول، ولكن يجب على المسلم أن يتأدب مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهم الذين اختارهم الله تعالى لصحبة خير خلقه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهم حَمَلة الدِّين ونَقَلة الشرع، واتهامهم بتعمد مخالفة الكتاب والسنة هو نوع من سوء الأدب مع هؤلاء الكرام رضي الله عنهم، بل يُقال إحسانًا للظن بهم: هذا مبلغ علم فلان، أو لعله لم يبلغه الحديث، أو لم يصح عنده رضي الله عنه.
ويجب على المسلم المحبِّ لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم الحريصِ على اتباع صحيح الدِّين ألا يأخذ دِينَه مِن كل أحد، وألا يُلقِي سَمعَه لكل مَن هَبَّ ودَبَّ ممن لا أهلية له في القول في الشرع؛ بل الأمر كما قال الإمام محمد بن سيرين رحمه الله: [إن هذا العلم دِين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم] اهـ. “التبيان في آداب حملة القرآن” (1/ 47).
والله سبحانه وتعالى أعلم.
Footnotes
-
وهذا محل الشاهد من الكلام المذكور آنفا في الكتاب. ↩
داخل السلسلة
هذا المقال من سلسلة «بطلان القول بعرض السنة على القرآن» (الحلقة 18 من 18).