مقدمة
الحمد لله. تثار في الخطاب الحديث، وخصوصًا ضمن بعض الحركات النسوية المعاصرة، شبهة مفادها أن العدل هو المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في كل شيء. ينطلق هذا التصور من الاعتقاد بأن تحقيق الإنصاف للمرأة مرهون بجعلها مُماثلة تمامًا للرجل في الحقوق والواجبات دون أي تفريق. لكن هل فعلًا تتحقق العدالة بالمساواة المطلقة؟ وهل منهج الشريعة الإسلامية في تنظيم حقوق الجنسين يقوم على هذه المساواة التماثلية، أم على أساس آخر أكثر تحقيقًا للإنصاف الحقيقي؟
هذا المقال يتناول هذه الإشكالية بمنهجية علمية شرعية، مبيّنًا أن العدل في التصور الإسلامي يختلف عن المساواة المطلقة. فالشريعة الإسلامية تقيم العلاقة بين الجنسين على مبدأ العدل الذي يقتضي إعطاء كل ذي حقٍ حقَّه بما يلائم طبيعته ووظيفته، لا على أساس التماثل التام في التكليفات والحقوق. سنستعرض مفهوم العدل والمساواة في الإسلام، ونبيّن الفروق الفطرية والوظيفية بين الرجل والمرأة التي تستوجب تفاوتًا عادلاً في بعض الأحكام. ثم نقارن رؤية الشريعة مع تنظيرات اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، موضحين كيف تسعى تلك الاتفاقية لفرض مساواة شكلية قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج غير عادلة اجتماعيًا وأخلاقيًا، خاصة في المجتمعات المتمسكة بالقيم الأسرية والدينية.
مفهوم العدل مقابل مفهوم المساواة
من المهم بدايةً توضيح الفرق بين العدل والمساواة. العدل هو وضع الشيء في موضعه الصحيح، وهو ضدّ الظلم والجور. وعرَّفه بعض العلماء بأنه إعطاء كلِّ ذي حقٍ حقَّه بلا بخس ولا ظلم. أما المساواة فتعني التماثل والتطابق بين شيئين. قد يبدو للوهلة الأولى أن المساواة مرادفة للعدل، لكن الواقع أن العدل أعمّ وأشمل؛ فليس كل مساواة عدلًا، ولا كل عدلٍ يقتضي مساواة مطلقة.
يؤكد العلماء المسلمون أن الإسلام دين عدل لا دين مساواة مطلقة. أخطأ على الإسلام من قال إن دين الإسلام دين المساواة! بل دين الإسلام دين العدل، وهو الجمع بين المتساويين والتفريق بين المختلفين، ولم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبدًا، إنما يأمر بالعدل. فالمساواة قد تعني تسوية أمرين مع إغفال الفوارق بينهما، بينما الحكمة تقتضي التفريق بينهما إذا كانا مختلفين. لذلك يجب عدم استعمال كلمة “المساواة” بإطلاق في سياق الحديث عن الإنصاف، لأن المساواة بين مختلفين ظلم، والصواب هو طلب العدل بمعناه الحقيقي.
ومن هذا المنطلق فرّقت الشريعة بين المفهومين: العدل قد يشمل التسوية وقد يشمل التفريق بحسب الحال، أما المساواة المطلقة فلا تشمل إلا التسوية في كل ظرف. العدل هو أن تجمع بين المتساويين وتفرّق بين المُختلفين، أما المساواة المطلقة فهي تجمع بين المتساويين والمختلفين معًا، وبذلك تساوي بين النقيضين، وهذا بعيد عن العدل والإنصاف. وعليه، ليس من العدل أن نسوّي بين شخصين أو حالين مختلفين جوهريًا؛ فالمساواة في غير محلها تؤدي إلى التناقض والظلم بدل الإنصاف. ليس من العدل أن تساوي بين مختلفين، فإذا كانت المساواة ستؤدي إلى الظلم وضياع العدل، فيجب تنفيذ العدل؛ فحين تساوي بين مختلفين فهذا معناه أن أحدهما سيتعرض للظلم، فالمساواة في هذه المسألة لا تمثل قيمة أخلاقية، بل ظلم.
العدل في الشريعة الإسلامية بين الرجل والمرأة
تأسيسًا على ما سبق، جعلت الشريعة الإسلامية العدل قاعدة في توزيع الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة. فالأساس الذي تبني عليه الأحكام ليس التماثل الشكلي، وإنما الاستحقاق الفطري والوظيفي لكل من الجنسين. يقول تعالى في القرآن الكريم ﴿وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ﴾ [آل عمران: 36] ، معلنًا حقيقة الاختلاف الخِلقي بينهما. ومع ذلك فقد ساوى الإسلام بينهما حيثما يكونان متساويين حقيقةً، كإنسانيّة مشتركة، وكرامة، وحقوق روحية، ومدنية. فالرجل والمرأة في نظر الإسلام سواء في القيمة الإنسانية والأهلية الدينية: كلاهما مخاطب بالتكاليف الشرعية الأساسية، وكلاهما له حق الثواب والعقاب الأخروي دون تفريق. وقد سبق الإسلامُ الشرائعَ الحديثة في تقرير حقوق المرأة الإنسانية والمدنية؛ فجعل دم المرأة وعِرضها ومالها مصونًا كالرجل، ومنحها حق التملك والتصرف في مالها تمامًا كما الرجل، بل نزلت آيات القرآن تقرر المساواة الروحية بين الجنسين في أعظم مقام: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [الأحزاب: 35] ، وقوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ ﴾ [آل عمران: 195] وهذه نصوص صريحة في تساوي الرجل والمرأة في الجزاء الأخروي وقبول العمل الصالح. كذلك ساوى الإسلام بينهما في معظم التشريعات العامة: فلكل منهما حق الزواج باختياره دون إكراه، وحق التعليم والعمل المباح، وحق الكرامة والرعاية في الأسرة.
لكن بالمقابل، فرّق الإسلام بين الرجل والمرأة في بعض الأحكام حيث تقتضي الفطرة والتكوين المختلف ذلك. فالشريعة تنظر إلى الفروق الجسدية والنفسية بينهما بوصفها عوامل موضوعية تستلزم توزيعًا عادلاً للأدوار، لا تمييزًا ظالمًا. وقد نبّه القرآن إلى هذا بقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ﴾ [النساء: 32] . فلكل جنسٍ جوانب تميّز فيها عن الآخر وفق حكمة الخالق، وينبغي أن يُراعى ذلك في التكليف والثواب الدنيوي. العدل إذن هو أن يأخذ كل طرف ما يناسب تكوينه ووظيفته الاجتماعية؛ فالتسوية في مواضع الاختلاف ظلم بيّن لا يحقق الإنصاف.
أمثلة تطبيقية للعدل التفريقي في الشريعة
لتقريب الصورة، فيما يلي أمثلة واقعية من أحكام الشريعة يظهر فيها كيف تُوازِن بين المساواة حيث يجب، والتفريق العادل حيث يجب:
-
المساواة في الكرامة والدين: يقرر الإسلام أن الرجل والمرأة متساويان في أصل الكرامة الإنسانية والتكليف الشرعي والثواب والعقاب الأخروي. فكلاهما مخاطَب بالإيمان والصلاة والصيام وسائر العبادات، ولا تفاضل في الأجر إلا بالتقوى والعمل الصالح. وكذلك هما سواء في حق القصاص وحُرمة الدم والمال والعِرض؛ فقتل المرأة يُقتص فيه تمامًا كقتل الرجل، وسرقة مالها تُعاقَب تمامًا كسَرقة مال الرجل. هذه مساواة عادلة لأن الطرفين متماثلان في الإنسانية والمسؤولية أمام الله.
-
تفريق الواجبات المالية: ألزم الإسلامُ الرجلَ بالإنفاق على المرأة (كزوجة أو بنت أو أم)، ولم يُلزم المرأة بالإنفاق على الرجل. لذلك كان ميراث الرجل ضعف ميراث المرأة في بعض الحالات، لا لتفضيل جنس على جنس، بل لأن الرجل يتحمل أعباءً مالية مضاعفة تجاه أسرته. هذا تفريق عادل يوازن بين الحقوق والواجبات؛ فالمرأة تأخذ نصف نصيب الرجل في الميراث لكنها تحتفظ به لنفسها، بينما الرجل مطلوب منه الإنفاق على زوجته وأولاده من نصيبه. العدل يقتضي أن تأخذ المرأة نصف الرجل في الميراث، كما يقتضي أن يتساوى الأخوات (إناثًا) إذا كنّ وحدهن في الميراث. ففي الحالة الأولى الاختلاف في النصيب عين العدل نظرًا لاختلاف التكليفات المالية، وفي الحالة الثانية المساواة هي العدل لتماثل الظرف (أختان أو أكثر بلا إخوة ذكور).
-
التمييز في بعض الأحكام القضائية: في الشهادة مثلًا، تقبل شهادة امرأتين مقابل شهادة رجل واحد في بعض المعاملات المالية ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ [البقرة: 282] ، وذلك ليس انتقاصًا من عقل المرأة أو كرامتها، بل مراعاة للتخصص والتجربة العملية؛ فهذه الشهادة تتعلق بمواضيع يغلب أن الرجال أدرى بها من النساء في المجتمعات التقليدية، فجُعلت شهادة امرأتين لتحصيل قدر أعلى من الضبط. أما في المجالات التي تمتلك فيها المرأة الخبرة والكفاءة (كشهادة القابلة في الولادة ونحوها) فشهادتها واحدة معتبرة باتفاق. فالقاعدة أن التفريق هنا جاء لضمان العدل في استيثاق الحق، لا لهضم حق المرأة.
-
القِوامة ودور كل من الزوجين: جعل الإسلام القوامة (الولاية والمسؤولية) في الأسرة على عاتق الرجل: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 34] . وهذا تكليف للرجل وتشريف للمرأة، إذ يحمّل الرجلَ واجبَ الإنفاق والحماية واتخاذ القرارات النهائية لمصلحة الأسرة. بالمقابل ألزمت الشريعة الزوجة بطاعة زوجها في المعروف محافظةً على انسجام الأسرة، لكن دون أن يعني ذلك استبدادًا أو ظلمًا من الزوج؛ فهو مأمور بمعاشرتها بالمعروف وتقديم حقوقها المادية والمعنوية. هنا العدل أن يكون ربّ الأسرة واحدًا لا اثنين، تجنبًا للنزاع، وأن يكون الأجدر بهذا الدور من زُوِّد قوة جسدية وخبرة ميدانية أوسع (أي الرجل عمومًا). هذا التنظيم يأخذ بالاعتبار الخصائص الفطرية لكل من الزوجين: فالرجل أصلب عودًا على مواجهة الخارج وتأمين الموارد وحماية الأسرة، والمرأة أكثر عطفًا ورحمة على الأبناء وتهيئتها النفسية أنسب للاستقرار الأسري. من العدل إذن إسناد قيادة الأسرة لمن هو أقدر عليها تكوينًا، مع ضمان حقوق الطرف الآخر. ويؤكد فقهاء المسلمين أن القوامة لا تعني تسلّطًا، بل مسؤولية وخدمة: أخرج البخاري في «صحيحه» (5200) ومسلم في «صحيحه» (1829) واللفظ للبخاري، قال: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.»
-
تقديم الأم في الحضانة والبر: على الرغم من أن الأب هو رئيس الأسرة المنوط بقيادتها، إلا أن الشريعة راعت اختصاص الأم بالحنان والعطف فجعلتها مقدَّمة في حضانة الأطفال الصغار عند الافتراق، تقديرًا لمصلحتهم وحاجتهم الفطرية لرعاية الأمومة. كما أوصى النبي ﷺ بالأم ثلاثًا قبل الأب في البر والصحبة الحسنة، مكافأةً لها على مشقة الحمل والولادة والرضاعة والتربية المبكرة التي لا يشاركها فيها الرجل. هذه عدم مساواة ظاهريًا لكنها عدل في الحقيقة، لأنها تكرّس فضل الأم ودورها الذي لا يمكن أن يستوي فيه الأبوان. فالإسلام لم يساوِ بينهما في هذا الجانب لأن طبيعة كل منهما مختلفة، وإنما رفع من شأن الأم رحمةً بها وبالأبناء معًا.
من الأمثلة السابقة تتضح قاعدة مهمة: الإسلام يسوِّي حيث تكون التسوية حقًا وعدلاً، ويفرّق حيث تكون التفرقة حكمةً وعدلاً. وهكذا العدل هو الحَكَم وضابط المساواة، وليس العكس. فالنتيجة النهائية المنشودة في الشريعة هي إنصاف كل طرف وإعطاؤه ما يستحقه ويحتاجه. وربما تُعامل المرأة معاملة مميزة لصالحها أحيانًا (كتقديمها في الحضانة والبر)، وقد يُميز الرجل في مواضع أخرى (كالقوامة أو زيادة العبء المالي) تحقيقًا للتوازن العام. هذه النظرة المرنة تغاير تمامًا فكرة المساواة المطلقة التي تتجاهل الفروق الواقعية بين الجنسين.
الفروق الفطرية والوظيفية بين الجنسين
يرتكز منهج العدل الإسلامي على الإقرار بالاختلافات الفطرية بين الرجل والمرأة باعتبارها حقائق موضوعية لا يمكن إلغاؤها. العلم الحديث يثبت ما قرره الشرع سلفًا من وجود تباينات بيولوجية ونفسية بين الذكر والأنثى، تنعكس في القدرات والميول والأدوار الطبيعية لكل منهما. من أبرز هذه الفروق: القوة البدنية والتحمل، والهرمونات المؤثرة على الانفعالات، والوظيفة الإنجابية (الحمل والولادة والإرضاع خاصة بالمرأة)، إضافة إلى فروق نفسية في مدى العاطفة والصلابة وما إلى ذلك. هذه الفروق ليست نقصًا أو تفاضلًا معياريًا، وإنما هي تكامل بين الجنسين لضمان عمارة الحياة. يقول تعالى: ﴿بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ﴾ [آل عمران: 195] قال الطبري رحمه الله في «تفسيره»: فإنه يعنى: ﴿بعضكم﴾ أيها المؤمنون الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ﴿من بعض﴾؛ في النصرة والملة والدين، وحكم جميعكم فيما أنا بكم فاعل حكم أحدكم، في أنى لا أضيع عمل ذكر منكم ولا أنثى..
بناءً على ذلك، كل جنسٍ مهيّأ لفُسحة معينة من المهام الاجتماعية: الرجل عمومًا أقدر على الأعمال الشاقة والمخاطرات وحماية الأسرة والنفقة المالية، بينما المرأة أقدر على رعاية النشء وصناعة السكن الأسري وبثّ الرحمة والعناية التفصيلية بشؤون الأسرة. وعليه كان من العدل إسناد مسؤوليات الجندية والقتال وحماية المجتمع للرجل دون المرأة؛ فالشرع لم يوجب على المرأة التجنيد أو خوض الحروب، بل نهى عن ذلك إلا تطوعًا في حالات الضرورة، مراعاةً لضعف بنيتها ورقة طبعها. وقد قال النبي ﷺ: “ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن” في إشارة إلى تغليب عاطفة المرأة، وليس انتقاصًا من قدرها. وعلى المنوال نفسه، لم يكلّف الإسلام المرأة بالإنفاق على الزوج أو الأسرة، لأن هذا عبء اقتصادي يناسب قدرات الرجل وكدحه التقليدي في سوق العمل. في المقابل، لم يكلّف الرجل بمشاق الحمل والولادة وتبعاتهما التي اختُصت بها المرأة جسديًا. هذه القسمة العادلة تخفف عن المرأة أعباءً تثقل فطرتها لو ألزمناها بها على قدم المساواة مع الرجل. والمساواة المطلقة تعني المساواة في الوظائف والأدوار، وهذه المساواة ثقيلة على النساء لعدم تناسب طبيعتهن الخِلقيّة مع دور الرجل. أي أن محاولة تحميل المرأة كل ما يطالب به الرجل (والعكس) هو إجحاف بحق كلا الطرفين.
من هنا نفهم حكمة بعض الأحكام الشرعية الخاصة بكل جنس. فالعدل لا يعني التطابق إذا كان التطابق يلغي هذه الحقائق الفطرية. على سبيل المثال، إعفاء المرأة من بعض الفرائض أثناء الحيض والنفاس (كالصيام الذي تقضيه لاحقًا، والصلاة التي تسقط عنها بالكلية في تلك الفترة) هو رحمة وعدل مع حالتها البيولوجية الخاصة، بينما المساواة الصمّاء مع الرجل بإلزامها بالصوم والصلاة رغم العذر الفطري كان ليكون ظلمًا وإضرارًا. وكذلك تخصيص الشارع للرجل حق تطليق الزوجة بنفسه مقابل اشتراط خلع المرأة أو لجوئها للقاضي، مردّه إلى طبيعة كل منهما في الحلم والصبر عند الغضب؛ فالغالب أن الرجل أكثر تروّيًا في إنهاء الحياة الزوجية، بينما عاطفة المرأة الجيّاشة قد تدفعها لقرار متعجل تندم عليه، فجُعل الطلاق بيد الرجل تحقيقًا لمصلحة الأسرة. وهذه ليست قاعدة صلبة إذ للمرأة أيضًا حق إنهاء الزواج عبر الخلع والقضاء عند الحاجة، لكن التفريق موجود بشكل مدروس مراعاةً لطبائع الأغلبية.
إذن، الشريعة تراعي الفروق ولا تنكرها؛ لأنها سنة الخالق في عباده. ومن تمام العدل أن يُعامل المختلفان بما يليق باختلافهما. لهذا قرر فقهاؤنا قاعدة: المساواة العادلة تجمع المتساويين وتفرّق بين المختلفين. أما المساواة المطلقة فغير ممكنة التحقق إلا نظريًا؛ لأنها تصطدم بالفطرة والواقع الملموس. وكل نظام بشري حاول تجاهل هذه الفوارق انتهى إلى نتائج جائرة ولو حسنت النيات أول الأمر.
دعوى المساواة المطلقة في الفكر النسوي الحديث
عرف التاريخ الحديث موجاتٍ متتالية من الحركات النسوية التي رفعت شعار المساواة التامة بين المرأة والرجل. بدأ الأمر كرد فعل على مظالم حقيقية وقصور قانوني واجتماعي عانت منه المرأة في عصور سابقة، سواء في الغرب أو الشرق. ولا ينكر منصف أن المرأة ظلمت في مجتمعات كثيرة عبر التاريخ تحت أعراف جاهلية أو فهم ناقص للدين. لذا جاءت المطالبة برفع الظلم وتمكين المرأة من حقوقها المشروعة في التعليم والعمل والتملك والمشاركة العامة. غير أن كثيرًا من التيارات النسوية ذهبت إلى مقابِل النقيض: بدل المطالبة بالعدل للمرأة انطلقت تطالب بالمساواة المطلقة بلا ضوابط. ومع الزمن تطور الخطاب لدى بعض الجماعات النسوية إلى إنكار أي اختلاف طبيعي بين الجنسين، واعتبار جميع الفوارق مجرد نتاج للتنشئة الاجتماعية والهيمنة الذكورية. فتبنت ما يسمى نظرية النوع الاجتماعي (الجندر) التي تفصل تماما بين الجنس بيولوجيًا والدور اجتماعيًا، وتسوغ تبدّل الأدوار، بل وحتى تغيير الجنس نفسه، بدعوى الحرية والمساواة.
إن المفهوم الحدّي للمساواة عند الحركات النسوية المتطرفة يقوم على التماثل التام في الحقوق والواجبات. يرون أي تخصيص لدور المرأة في الأسرة مثلا انتقاصًا من حقوقها. وينادون بأن تتواجد المرأة في كل ميدان يتواجد فيه الرجل وبنفس النسبة، سواءً في الجيش أو المناجم أو قيادة الدول… إلخ، وإلا فالواقع بنظرهم ظالم فيه تمييز ضد المرأة. وتمارس هذه الحركات ضغوطًا ثقافية وإعلامية وحتى تشريعية عالمية لفرض رؤيتها. وقد أصبح شعار “المساواة بين الجنسين” كما تطرحه هذه الحركات محمّلًا بأيديولوجيا ترى علاقة المرأة بالرجل علاقة صراع تاريخي ينبغي تسويته بانتزاع كامل المساواة الآن وفورًا. فخطابها مُعادي في كثير منه للرجل باعتباره ظالمًا بطبيعته عبر العصور. ولا شك أن لهذا التطرف تبعات سلبية على مفهوم الأسرة والتكامل الاجتماعي بين الجنسين.
من منطلق الإنصاف نعترف أن الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل حملت جوانب إيجابية عندما تعلقت برفع الظلم الحقيقي عن المرأة: كمنحها حق التعلم والتملك والحماية من العنف ونحو ذلك. وهذه الحقوق في الحقيقة كفلها الإسلام للمرأة منذ قرون بينما حُرمت منها في المجتمعات الغربية حتى وقت قريب. لكن الدعوة ذاتها تجاوزت ذلك إلى المطالبة بما لا تستقيم به فطرة ولا شريعة: أي المساواة العددية والوظيفية في كل مجال، بلا استثناء. فرفعوا شعار “كل ما يستطيع الرجل فعله تستطيع المرأة فعله على قدم المساواة”. وفي الواقع، تطبيق هذا الشعار حرفيًا أدى في كثير من المجتمعات إلى نتائج عكسية أضرت بالمرأة ذاتها. سنعرض بعض تلك النتائج عند الحديث عن الآثار الاجتماعية للمساواة المطلقة.
جدير بالذكر هنا أن اتفاقية دولية مثل سيداو جاءت متأثرة بهذا الفكر المساواتي الغربي الحديث، كما سنبيّن. لقد وضعت تلك الاتفاقية إطارًا قانونيًا عالميًا يهدف ظاهريًا لإنصاف المرأة، لكنه ينطلق فعليًا من فلسفة مساواتية صارمة لا تقرّ بخصوصيات المرأة الطبيعية ودورها الأسري، بل تعتبرها عوائق يجب إزالتها. وهنا مكمن الخلل الذي ستنعكس آثاره اجتماعيًا وأخلاقيًا.
اتفاقية سيداو ورؤية المساواة بين الجنسين
لمحة عن الاتفاقية ومنطلقاتها
اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة اختصارًا بـ”سيداو”، أقرتها الأمم المتحدة عام 1979م ودخلت حيز التنفيذ عام 1981م. تهدف هذه الاتفاقية إلى ضمان مساواة المرأة بالرجل في كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية. وقد عرّفت “التمييز ضد المرأة” بأنه أي تفريق أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون له أثر أو غرض يعيق اعتراف المرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية وممارستها لها على أساس المساواة مع الرجل. يتضح من ذلك أن الاتفاقية ترتكز على مبدأ المساواة المطلقة والتماثل التام بين الرجل والمرأة في التشريعات والفرص، وترى أن أي تمايز في المعاملة هو بالضرورة تمييز سلبي مرفوض.
لقد نصت سيداو في مادتها الأولى صراحة على هذا الفهم للمساواة، وفي مادتها الثانية ألزمت الدول الموقعة بمراجعة دساتيرها وقوانينها لإزالة أي أحكام تفرّق بين الجنسين. بل طالبت بإبطال الأعراف والممارسات القائمة على أدوار نمطية للمرأة والرجل. فعلى سبيل المثال، اعتبرت الاتفاقية القوامة وولاية الرجل في الأسرة تمييزًا يجب إلغاؤه، بحجة أنه تكريس لدونية المرأة. وأكدت على حق الزوجة في اختيار اسم الأسرة ومكان السكن وحقها في نفس سلطات الولاية على الأولاد التي للرجل. كما دعت إلى إزالة الصور النمطية لدور المرأة في التربية والأسرة، وتشجيع تقاسم جميع الأدوار المنزلية والتربوية بين الزوجين بالتساوي. ومن أخطر ما ألزمته الاتفاقية تغيير أو إلغاء القوانين المستمدة من الدين إذا ارتأت أنها تمييزية؛ فنصّت بوضوح على وجوب إبطال أي حكم قانوني “يقوم على أساس ديني” ويخل بمبدأ المساواة. وقد ساقت مثالًا لذلك حكم الإرث في الإسلام حيث للذكر مثل حظ الأنثيين، واعتبرته تمييزًا ينبغي إلغاؤه. أي أن فلسفة سيداو تتعارض جوهريًا مع كثير من الأحكام الشرعية المقطوع بها، إلى حد أنها تنسخ الشريعة عمليًا فيما يخص المرأة، لأنها ترفض الاعتراف بأي مرجعية فوق مبدأ المساواة المجرّد.
التعارض بين سيداو والشريعة الإسلامية
لا غرابة أن تُواجه هذه الاتفاقية بتحفّظات واعتراضات من الدول ذات الأغلبية الإسلامية وغيرها من المجتمعات المحافظة. فنظرة سيداو للمساواة تصطدم بمجموعة من الأحكام الإسلامية الشرعية التي تفرّق بين الرجل والمرأة لتحقيق العدل الإلهي. من أبرز نقاط التعارض:
-
إلزامية إبطال الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة: كما أسلفنا، تتطلب سيداو أن تُلغَى جميع القوانين التي تميز بين الجنسين ولو كانت مستندة إلى دين. وهذا يعني ضمنيًا نسف التشريعات الإسلامية المتعلقة بالأسرة والأحوال الشخصية. فمثلا:
-
في الميراث: يدعو تطبيق الاتفاقية إلى مساواة الذكر والأنثى في الأنصبة الإرثية، مما يخالف صريح القرآن والسنة وإجماع الأمة عبر العصور. وقد نص تقرير إحدى لجان سيداو بوضوح على أن مبدأ تعدد الزوجات ومبدأ تفاوت الإرث كلاهما يتعارض مع حق المرأة في المساواة بالرجل. وبالفعل تضغط المنظمات الدولية لإلغاء التمايز في الإرث بدول العالم الإسلامي، رغم أن ذلك يهدم نظامًا متكاملاً من المسؤوليات المتبادلة المنصوص عليها شرعًا. كثير من الدول الإسلامية رفضت الاستجابة لهذا البند وحفظت حكم الشرع في قوانينها الداخلية عبر إبداء تحفّظ رسمي على المادة الثانية من الاتفاقية. وهذا التحفظ يعلن عدم التزام الدولة بأي بند يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.
-
في الزواج والطلاق والقوامة: تؤكد سيداو على المساواة المطلقة بين الزوجين في كافة الحقوق المتعلقة بالزواج خلاله وعند فسخه. فهي لا تعترف بمفهوم الولي في الزواج للمرأة، وترى فيه انتقاصًا من أهليتها. كما تطالب بأن يكون للمرأة نفس حق الرجل في إنهاء الزواج متى شاءت وبلا قيود خاصة بها، وبنفس السهولة (مقابل إقرار الإسلام للطلاق بيد الزوج والخلع والقضاء خيارًا للزوجة وفق ضوابط). وتدعو الاتفاقية أيضًا إلى إلغاء قوامة الرجل في الأسرة بالكامل، بحيث لا يكون الزوج رئيسًا للعائلة بل كلاهما سواء في اتخاذ القرار. هذا البند يصطدم مباشرة مع قوله تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ﴾ [النساء: 34] كما تشجب سيداو أي تمييز في الحقوق الأبوية؛ فتريد للأم نفس حق الأب في الولاية على الأبناء في التشريع والحضانة واتخاذ القرارات المصيرية. والإسلام – وإن كان يشرك الأم في الحضانة والرعاية بقوة – يعطي ولاية الأمر والنفقة للأب بالدرجة الأولى. بالتالي فإن فرض المساواة المطلقة هنا يعني نزع اختصاصات الولاية والإنفاق من الرجل، مما يخل بمنظومة التكامل الأسري الشرعية.
-
في حرية التنقل والمسكن: تنص الاتفاقية على حق المرأة في حرية السفر واختيار محل السكن والإقامة تمامًا كالرجل. أما في الفقه الإسلامي، فللزوج حق تحديد مسكن الزوجية ما دام مناسبًا، وعلى الزوجة السكن حيث يسكن زوجها والانتقال معه إلا لضرورة. كذلك يشترط الفقهاء إذن الزوج لسفر الزوجة حفاظًا على أمنها وصيانة للأسرة. سيداو تعتبر ذلك تقييدًا لحريتها وتمييزًا غير مقبول. النتيجة التي تصل إليها إذا طُبِّقت هذه المساواة الشكلية: أن يعيش الزوجان كلٌ في مكان إن شاءا بحجة استقلالية القرار، فتخسر الأسرة معناها الحقيقي. ويمكن القول بأن الاتفاقية تريد أن تشتت الأسرة بغير طلاق، فما معنى أن تختار الزوجة مكانًا لإقامتها غير مكان الزوج؟! وماذا يبقى من مظاهر الأسرة وتوادّها وترابطها بعد أن يعيش كل من الزوجين في مكان خاص؟! إن إلغاء ولاية الزوج في المسكن والسفر يؤدي عمليًا إلى تفكيك وحدة الحياة الزوجية، وتشتّت الأبناء بين والدين منفصلين معنويًا وإن بقوا متصلين قانونيًا.
-
في العِدّة وتعدد الزوجات: من الأحكام الشرعية التي تنتقدها الأدبيات المنبثقة عن سيداو فترة العدة الواجبة على المرأة دون الرجل عند الطلاق أو وفاة الزوج، وترى فيها عدم مساواة. لكن العدة مرتبطة بحقوق الحمل والنسب ولا نظير لها عند الرجل، فإسقاطها يضيع حقوقًا للأطفال ويتجاهل اختلافًا بيولوجيًا. أما تعدد الزوجات، فهو هدف واضح لهجوم الاتفاقية؛ إذ تعتبره تمييزًا صارخًا ضد المرأة لأن الرجل يُسمح له بالزواج بأكثر من واحدة والمرأة لا يُسمح لها بالتعدد. وتوصي لجنة سيداو الدولية بمنع تعدد الزوجات تمامًا باعتباره ممارسة ضارة ينبغي إنهاؤها. وهذا موقف متوقع ضمن فلسفة تسوية كل شيء بين الجنسين؛ فهم يقولون إما تعدد لكلا الطرفين أو منعه عن كليهما. وبديهي أن تعدد الأزواج للمرأة محظور شرعًا وغير مقبول فطريًا، فتنتهي المعادلة بمنعه عن الرجل أيضًا. هنا نرى تعارضًا مع حل أباحه الشرع الحكيم لعلاج مشكلات اجتماعية (مثل كثرة النساء الأرامل أو العوانس، أو عقم الزوجة ونحو ذلك) ضمن ضوابط عدل وإنصاف للزوجات. إن حظر التعدد مطلقًا قد يؤدي إلى تفشي العلاقات غير المشروعة كبديل، وإلى ظلم المرأة الثانية التي قد ترتبط برجل في الخفاء بلا أي حقوق أو حماية قانونية، بينما لو سُمِح بزواجها رسميا لكان أكرم لها. وهذا ملمح اجتماعي أخلاقي مهم سنتناوله لاحقًا.
هذه بعض الأمثلة البارزة لنقاط التصادم بين مقتضيات سيداو وأحكام الشريعة الإسلامية. وقد أدركت العديد من الدول الإسلامية هذا التعارض الجوهري، فتحفظت على بعض مواد الاتفاقية عند التوقيع. فأعلنت أن التزاماتها الدولية بموجب سيداو لن تشمل ما يخالف الشريعة الإسلامية، خصوصًا في مواد تتعلق بالأحوال الشخصية والزواج والإرث. ومن الدول من امتنعت عن التوقيع أصلًا فلم توقع من الأساس. الولايات المتحدة الأميركية – مع أنها دولة علمانية ليبرالية – لم تُصادق على سيداو بسبب اعتراضات تتعلق بالسيادة والتشريعات الأسرية، معتبرةً إياها شأنًا داخليًا لا ينبغي للمواثيق الدولية أن تُمليه. هذا التخوف يعطي إشارة إلى مدى تدخل الاتفاقية في البنى الاجتماعية والقيمية للدول، بحيث تحفظت عليها دول غير إسلامية أيضًا ترى فيها تطرفًا في فرض رؤية ثقافية واحدة.
المساواة الشكلية وغياب الإنصاف الحقيقي
يرى منتقدو منهج سيداو المجرّد أن المساواة التي تنادي بها شكلية أكثر منها جوهرية؛ فهي تركز على تساوي الأرقام والإجراءات دون نظر إلى العدالة الفعلية في النتائج. فعندما تطالب مثلًا بأن يتمتع الزوجان بسلطات متساوية تمامًا في كل قرار، قد يبدو ذلك إنصافًا على الورق، لكنه قد يظلم أحدهما في واقع الحال. على سبيل التوضيح: إذا تساوى الزوجان في واجب الإنفاق المنزلي مثلًا بحجة المساواة، فإن المرأة العاملة ستتحمل فوق طاقتها، إذ عليها الكد خارجًا شأنها شأن الرجل ثم الحمل والولادة ورعاية الأطفال في البيت دون أن يُخفف عنها أي واجب. في النتيجة تتحول المساواة هنا إلى عبء مضاعف على المرأة لم تكن مطالبة به شرعًا. لقد أعفاها الإسلام من النفقة لتتفرغ لدورها الأسري الرحمي، فإذا حملناها عبء الإنفاق أيضًا بحجة المساواة أرهقناها وظلمناها من حيث أردنا الإنصاف.
كذلك في تقاسم أدوار الأسرة: نظريًا تطالب سيداو بأن يتقاسم الأب والأم تربية الأطفال وأعمال المنزل مناصفة. هذا أمر إيجابي في جانب مساعدة الزوج لزوجته، والإسلام حث على مشاركة الرجل في خدمة أهله تواضعًا. أخرج البخاري في «صحيحه» (676) قال: حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.». لكن سيداو تتجاوز الإرشاد الأخلاقي إلى فرض واجبات متماثلة، بحيث لا يُعترف بدور أساسي مميّز لكل من الأبوين. النتيجة التي بدأت تظهر في بعض المجتمعات الغربية أن الأمومة نفسها فقدت قدسيتها كوظيفة؛ فالمرأة التي تختار التفرغ لبيتها وأطفالها تُنتقد وكأنها خانت قضية المساواة! صار المطلوب أن تنافس في سوق العمل أولًا، أما رعاية الأطفال فيمكن تركها لدور الحضانة أو المربيات. وهذا الاتجاه أضرّ نفسيًا واجتماعيًا بكثير من النساء والأطفال، حتى اعترفت بذلك بعض الأصوات النسائية المعتدلة في الغرب. ربما نالت النساء مزيدًا من الحقوق والاستقلال الاقتصادي، أما اجتماعيًا فكثير من النساء يعانين أشد المعاناة. لقد بدأت النساء يتعمدن تربية الطفل دون مساعدة من أبيه، بل يُقصين الأب تمامًا من حياة طفله، فيتعرّض الرجال بدورهم لنوع من الضرر. هذه الشهادة تعكس اختلال التوازن الأسري في المجتمعات التي تبنّت المساواة المطلقة؛ فالمرأة دفعت ثمنًا غاليًا من استقرارها النفسي والعاطفي رغم حصولها على “حقوق” مساوية للرجل. ومثلها الرجل أيضًا خسر الدور الطبيعي له كأب ورب أسرة وأصبح على هامش الأسرة أحيانًا.
من المشاهد الاجتماعية المؤلمة في بعض الدول التي تبنّت الفكر المساواتي المتطرف: ارتفاع نسبة الأسر المفككة وأطفال الأمهات العازبات بشكل ملحوظ. ففي الولايات المتحدة وأوروبا مثلًا، نتيجة لتيسير العلاقات خارج إطار الزواج ورفع الوصمة عنها، نجد نسب الولادات خارج الزواج ارتفعت جدًا خلال العقود الأخيرة. كثير من هؤلاء الأطفال ينشؤون بدون أب حاضر أو مشارك، مما ينعكس سلبًا على تنشئتهم العاطفية والسلوكية. ورغم أن هذه الظواهر لها أسباب متعددة، إلا أن من الواضح أن تهميش دور الأب تحت شعار المساواة وتقليص الفوارق ساهم في خلق بيئة يعتبر فيها وجود كلا الوالدين معًا أمرًا ثانويًا. المساواة القانونية أعطت المرأة حرية الإنجاب بمعزل عن الزواج، ولكن هل كانت النتيجة عادلة لها وللطفل؟ تشير الدراسات والإحصاءات إلى حجم المشكلة التي وقعت فيها المرأة في تلك المجتمعات بتحمّلها أعباءً كانت على الرجل تقليديًا. فقد تحرر كثير من الرجال من مسؤولية الإنفاق ورعاية الأسرة تحت دعوى استقلالية المرأة، فصارت المرأة الغربية تعمل وتنفق على نفسها وأطفالها وحدها، بل تُخيَّر أحيانًا بين أن تنفق على الطفل أو تُسقط حملها إن لم يكن لديها شريك يعينها. وهكذا نجد المساواة المطلقة أفضت عمليًا إلى ظلم المرأة بدل إنصافها: صحيح أنها حازت حرية القرار، لكنها كثيرًا ما وجدت نفسها وحيدة في الميدان تتحمل كل الأعباء.
أما الآثار الأخلاقية لهيمنة ثقافة المساواة المطلقة، فقد تجلّت في تغير القيم والسلوكيات الاجتماعية المتعلقة بالعفة والعلاقات الأسرية. عندما رفعت الحواجز بين الجنسين تمامًا بحجة المساواة، وانتشرت فكرة الاستقلالية الفردية القصوى، تراجعت فضائل الحياء والوفاء الأسري في عدد من المجتمعات. صحيح أن هذه المجتمعات تخلصت من كثير من العادات السيئة، إلا أنها فقدت كثيرًا من القيم العالية. صارت العلاقات الجنسية قبل الزواج هي الوضع الطبيعي في المجتمع، الزنا في ازدياد، أما التعفّف فهو أمر مثير للسخرية. هذه الكلمات تختصر مفارقة مريرة: نالت المرأة الغربية حرية جنسية ومساواة ظاهرية مع الرجل في هذا المجال، ولكن النتيجة كانت انفلاتًا أخلاقيًا أسفر عن ضياع فضيلة العفة، وانتشار العلاقات العابرة، وما ترتب عليها من مشاكل كالأبناء غير الشرعيين والإجهاض والأمراض النفسية. لقد سُوِّي الرجل بالمرأة في إشباع الغرائز خارج إطار الأسرة، فضاعت قداسة الأسرة نفسها. وكل ذلك تحت شعار حرية الاختيار والمساواة في الحقوق الفردية.
إن المجتمعات المحافظة ذات القيم الأسرية والدينية تنظر بحذر شديد إلى هذه المآلات. فحين تدفع الاتفاقيات الدولية باتجاه تغيير الأدوار التقليدية وتقويض سلطات الأسرة الداخلية باسم حقوق المرأة، تخشى هذه المجتمعات من اهتزاز البنيان الأخلاقي المستقر. الأسرة في ثقافتنا ليست مجرد ترتيبات قانونية بين أفراد، إنها كيان مُقدّس مرتبط بالدين والأخلاق وقيم التضحية. ومن ثمّ، أي محاولة لاستنساخ نماذج مساواتية غربية بشكل قسري قد تؤدي إلى اختلالات اجتماعية خطيرة: تفشي الطلاق، عزوف الشباب عن الزواج، ضعف صلة الرحم، ضياع مسؤولية تربية الأبناء، انحدار مستوى الاحترام بين الزوجين، وغير ذلك. وقد رأينا بالفعل بعض آثار العولمة الفكرية في دولنا: فتيات يرفضن فكرة الأسرة التقليدية تمامًا ويرينها “عبودية”، رجال يتنصلون من مسؤولياتهم بحجة استقلال المرأة، ارتفاع في نسب النزاعات الأسرية بسبب صراع الصلاحيات… إلى آخره. هذه الظواهر كلها تدفعنا لإعادة النظر في مفهوم الإنصاف الحقيقي للمرأة: هل يتحقق فعلا بتشابهها التام مع الرجل، أم باحترام اختلافها وشراكتها التكاملية معه؟
خاتمة
بعد هذا العرض، تجلّى لنا الفارق الجوهري بين منهج الإسلام ومنهج المساواة المطلقة في قضايا المرأة. الإسلام جعل العدل قيمة فوقية حاكمة، والمساواة وسيلة يتحقق بها العدل في مواضع محددة. أما الفكر المساواتي الحديث فيجعل المساواة غاية بذاتها ولو على حساب العدل أحيانًا. وقد رأينا كيف أنّ العدل الإسلامي يضمن لكل جنسٍ حقوقه كاملة وفق طبيعته: يساوي حين تكون المساواة هي الحق، ويفرّق حين يكون التفريق هو الحق. والنتيجة نظام أسري ومجتمعي متوازن يُكرّم المرأة كأم وزوجة وابنة بما يلائم فطرتها، ويُكرّم الرجل كأب وزوج وابن بما يلائم فطرته، فيتكاملان ولا يتصارعان.
في المقابل، المطالبة بالتماثل التام بين الرجل والمرأة تتنافى مع بدهيات العقل والطبيعة. فإذا حكمنا - بالواقع - أن الرجل والمرأة مختلفان في أمور عديدة، فإن المساواة المطلقة بينهما تصبح ظلمًا مقنّعًا. قد يبدو للوهلة الأولى أن رفع أي تمييز هو عين الإنصاف، لكن حين يؤدي ذلك إلى تحميل أحدهما ما لا يطيق أو حرمانه مما يحتاج فهنا تقع المظلمة. إذا تعارضت القيم فإن الإسلام يقرّر القيمة الأكثر تأثيرًا ويترك الأقل؛ فإذا كانت المساواة ستؤدي إلى الظلم وضياع العدل، فيجب تقديم العدل… فالمساواة في هذه الحالة لا تمثل قيمة أخلاقية بل ظلم.
إنصاف المرأة الحقيقي لا يكمن في تجاهل أنوثتها وأمومتها وجعلها نسخة طبق الأصل عن الرجل، بل في احترام خصوصيتها الفطرية ومنحها الحقوق الملائمة لها ودعمها في القيام بدورها دون إجحاف. والإسلام قد سبق بإرساء هذه القاعدة الذهبية: العدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه. فهو يكرّم المرأة كملكة في بيتها لها نفقتها مكفولة وكرامتها مصونة، وكذلك يفتح لها أبواب المشاركة العامة والعلم والعمل بضوابط تحفظ كرامتها وأخلاقها. لا يُكرهها على دور لا تريده، فإن أرادت أن تكون عاملة أو عالمة فلها ذلك، وإن أرادت التفرغ لبيتها وأبنائها فذلك دور عظيم لا يقل أهمية. أما الرؤية التي تدفع المرأة قسرًا إلى معترك الحياة بذريعة الاستقلالية والمساواة دون مراعاة لظروفها، فهي في الحقيقة نوع آخر من الإكراه والقمع المبطّن للمرأة. وقد قرر علماء الشريعة هذه الحقيقة بصراحة: قمع المرأة مخالف للإسلام، وإكراهها على أن تكون مساوية للرجل (في كل شيء) مخالف أيضًا.
وأخيرًا، في المقارنة القانونية والاجتماعية بين منهج الشريعة وتنظيرات سيداو، نجد أن الشريعة تتفوق بقيمة العدالة المتوازنة التي تراعي الواقع الإنساني. نعم، تدعو الشريعة إلى مساواة المرأة بالرجل في الكثير من الحقوق والواجبات، لكنها مساواة عادلة لا مطلقة: مساواة تقوم على التكافؤ الحقيقي، لا على إنكار الفروق. وأي دعوة خارج هذا الإطار قد تؤدي إلى مساواة حسابية، ولكنها ظلم إنساني. لقد كفل الإسلام للمرأة كل حقوقها كإنسان وكأنثى، ولم يمنعها حقًا إلا وأعطاها خيرًا منه أو عوضًا عنه. ولذلك نستطيع القول بثقة إن الشريعة الإسلامية أحرص على إنصاف المرأة من كثير من الأطروحات الحداثية التي تتشدق بتحريرها ثم تتركها تعاني تبعات ذلك وحدها. والواقع أكبر شاهد، فالمجتمعات التي بقيت وفيّة لهدي الإسلام في قضايا الأسرة والجنسين تتمتع - برغم كل التحديات - بقدر أكبر من الاستقرار الأسري والأمان الاجتماعي مقارنةً بتلك التي خاضت مغامرة المساواة المطلقة ولات حين مندم.
المطلوب إذن إنصافٌ حكيم لا مساواة عمياء. فليست القضية في تشابه الحقوق بقدر ما هي في عدل النتائج. وإن أعظم ما نستخلصه هو قاعدة: إذا تعارضت المساواة المجردة مع العدل، قُدِّم العدل بلا تردد. بهذا الميزان الرباني وحده نضمن عدم ظلم أي من الجنسين للآخر ولا لأنفسهم. والله تعالى أعلم، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
داخل السلسلة
هذا المقال من سلسلة «بطلان القول بعرض السنة على القرآن» (الحلقة 11 من 18).