مقال

إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ

ردٌّ على كتاب معاصر يجعل من شروط صحة المتن «ألا يخالف ما جاء بالقرآن الكريم»، ويحتج باستدراك عائشة رضي الله عنها على حديث «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه».

الحديث وعلومه

الحمد لله

من عجيب الأقوال في هذا الزمان أن تجد كتابا يباع في ديار المسلمين مكتوب فيه أن من شروط صحة المتن «ألا يخالف ما جاء بالقرآن الكريم من أحكام وقوانين وصفات لله تعالى ورسوله». ثم يحتج الكتاب بالتالي: «وسوف نتعرف على كيفية تطبيق هذه المعايير من خلال أمثلة ساقها لنا السادة الصحابة والعلماء في تعاملهم مع الأحاديث. أول معايير هي المعايير التي وضعتها سيدتنا وحبيبتنا وحبيبة رسولنا الكريم السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، التي امتازت بالذكاء والفهم، وكثرة الرواية، وكانت تفسر حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وهي بين يديه، وكانت حريصة على تفهم معاني الكتاب والسنة، ومقابلة الكتاب بالسنة، وكانت تبادر بالسؤال عما لم يظهر لها، وكان رسول الله يشرح لها وتتلقى منه الفهم الصحيح، ومع ملازمتها لرسول الله وحبه لها وصغر سنها وتفرغها، نمت لديها القوة العقلية العلمية والنظرة الصائبة لمفاهيم الدين».

ثم ساقت حديث «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» كما عند البخاري في «صحيحه» في روايتين، وأحمد في «مسنده» ثم قالت: «إذا نقض السيدة عائشة لمتن هذا الحديث جاء لعدة أسباب: خالف متن هذا الحديث صريح القرآن الكريم، فالله تعالى في قرآنه حكم بأن لكل نفس ما كسبت، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ﴾ فوزر الإنسان لا يقع بحال على آخر، وبناءً على حكم الله تعالى، فيستحيل أن يذكر رسول الله عليه الصلاة والسلام حكمًا مخالفًا لما جاء به من كلام الله».

نقلت الكلام بحروفه لبيان بعض أمور

الأمر الأول: افتراض قواعد لا أصل لها والتعامل معها باعتبارها من المسلَّمات

يلجأ كثيرٌ ممن يثيرون الشبهات ويُروِّجون للأفكار المغلوطة إلى أسلوب شائعٍ يتمثل في افتراض قواعدَ لا أصلَ علميَّ لها، ثم التعامل معها وكأنها حقائقُ ثابتةٌ ومُسَلَّماتٌ علمية. ومن أمثلة ذلك القولُ بأنَّ من شروط صحة المتن «ألا يخالف ما جاء بالقرآن الكريم من أحكام وقوانين وصفات لله تعالى ورسوله». إلا أننا لا نجد في التراث العلمي المعتبر من ذكر هذه القاعدة، أو أقرَّ هذه الشروط أو اعتمدها معيارًا لقبول الحديث أو رده. وعند التحقق والسؤال: مَن مِن العلماء وضع هذه الشروط؟ ومن أيَّدها وعمل بها؟ ومن الذي جعلها معيارًا مُلزِمًا في قبول الروايات؟ لن تجد إجابةً مُوثَّقةً ومُسنَدةً إلى علماء الحديث والأصول، مما يبرز أنَّ إطلاق مثل هذه القواعد يسيرٌ سهلٌ دون حجةٍ ولا برهان.

ومن الجدير بأصحاب هذه الشبهات، إذا كانوا صادقين في طلب الحق والبحث العلمي الجاد، أن يتأملوا العلاقة بين السنة النبوية الشريفة والقرآن الكريم، إذ من شأن هذا التأمل والتدبر أن يزيل كثيرًا من الإشكالات التي قد تَرِدُ عليهم. فالمسلم الحقيقي لا يمكن أن يضعَ السنة في تعارضٍ مع القرآن، لأنهما وحي من الله تعالى، يصدران من مشكاة واحدة، ولا يمكن أن يتعارضا في حقيقة الأمر. كما أنه لم يثبت عن أحدٍ من علماء الأمة القولُ بضرورة عرض السنة على القرآن كشرطٍ لقبولها، بل الثابت من تدبر القرآن الكريم أن الله تعالى أمر بطاعة رسوله ﷺ واتباعه في أكثر من ثلاثين موضعًا، مؤكدًا أن طاعته ﷺ من طاعة الله تعالى، دون أي إشارة أو دليلٍ على وجوب عرض السنة على القرآن الكريم.

الأمر الثاني: استخدام أسلوب «دس السم في العسل» والتلاعب بالعواطف لتجاوز المغالطات

يعمد البعض في تناولهم للقضايا الشرعية والتاريخية إلى استخدام أسلوب مغالط، يتسم بإثارة العاطفة وإبراز الجانب الوجداني في سياق الكلام؛ بحيث تبدو الفكرة للوهلة الأولى مقبولة ومتماسكة، رغم أنها تخفي في ثناياها مغالطات خطيرة قد تمر دون انتباه كافٍ بسبب هذا الأسلوب. ومن ذلك أن تجد فقرة مطولة، ظاهرها التعظيم والثناء على شخصية عظيمة مثل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، مع إظهار شديد لفضلها وعلمها ومكانتها، وهو حقٌ لا مراء فيه، بل لا يفي هذا الثناء شيئًا من حقها ومكانتها. إلا أنه وسط هذا الثناء، قد تُدرج عبارة تثير التساؤلات والريبة، مثل القول بأنها «كانت حريصة على تفهُّم معاني الكتاب والسنة، ومقابلة الكتاب بالسنة»، وهي عبارة غير واضحة، وتثير إشكالين علميين خطيرين:

الأول: عدم وضوح المراد الدقيق من مصطلح «مقابلة الكتاب بالسنة»، حيث يُستشف من سياق النص بعد التحليل والتمحيص أنَّ المراد به هو إخضاع السنة النبوية للفهم الذاتي للقرآن الكريم، وهو فهمٌ قد يتأثر بالأهواء الشخصية، مع ما في ذلك من ابتعادٍ عن منهجية الحق وضوابطه. والواقع أنَّ الكتاب موضع النقاش، إذا أُخضعت تطبيقاته للتحليل النقدي، يكشف أنَّ هذه المقابلة لا تقوم على أسس منهجية معتبرة في أصول التفسير وقواعده الراسخة، ولا تراعي السياقات التاريخية وأسباب النزول والضوابط الشرعية الثابتة؛ هذا مع التأكيد على بطلان الأصل الذي تقوم عليه هذه المقولة، وهو عرض السنة النبوية على القرآن الكريم.

الثاني: ما ذُكر من وصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأنها حريصة على هذه المقابلة، ثم لم يُدلِّل الكتاب إلا بثلاثة نماذج معروفة ومحدودة جدًا، وهي أمثلة قليلة لا ترقى أبدًا لإثبات هذا الحرص. فقد ذكر الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (2/139) أن مسند عائشة رضي الله عنها بلغ ألفين ومئتين وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على مئة وأربعة وسبعين حديثًا منها، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بتسعة وستين حديثًا، فمن مجموع هذه الأحاديث الضخم لا نجد هذا الاستدلال المزعوم إلا في ثلاثة مواضع فقط، وهي لا تكفي أبدًا للدلالة على الحرص أو تبني منهج ثابت في مقابلة السنة بالقرآن.

الأمر الثالث: ادعاء الكاتب بأن فهمه الشخصي يعكس مراد الشارع دون الاستناد إلى السنة النبوية أو أقوال أهل العلم أو القواعد الأصولية

عند قراءة النص المذكور نجد العبارة التالية: «فوزر الإنسان لا يقع بحال على آخر»، وهي عبارة تستدعي التوقف والاستغراب؛ إذ إن أصحاب هذا المنهج يدّعون تعظيم القرآن، ولكن يؤدي بهم منهجهم المعلول إلى معارضة نصوص القرآن ببعضها البعض، وهذه نتيجة لما اتخذوه من منهجٍ فاسدٍ قائمٍ على تقديم العقل المجرد على نصوص الوحي، والتفلّت من ضوابط الشرع الحكيم. فهم في ظاهر دعواهم يعظّمون القرآن، لكنهم واقعًا يفتعلون معارضة بين القرآن والسنة، ستؤول بهم حتما إلى معارضة القرآن بالقرآن، في حين أن الفهم الصحيح للقرآن لا يتحقق إلا بالسنة النبوية التي تبيّنه وتفصّله.

وفي الردّ على هذا الادعاء الخاطئ نورد ما جاء في قول الله تعالى:

﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25]

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره للآية: أي: إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك ليتحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»1. وقال تعالى: ﴿وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ [العنكبوت: 13]  ولهذا روى العوفي عن ابن عباس في الآية ﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ﴾ [النحل: 25]  أنها كقوله: ﴿وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ﴾ [العنكبوت: 13] . وقال مجاهد: يحملون أثقالهم: ذنوبهم وذنوب من أطاعهم، ولا يُخفِّف عمن أطاعهم من العذاب شيئًا. اهـ.

هذه النصوص الواضحة والصريحة تكشف بطلان ما يروج له أصحاب المنهج المشار إليه، وتطرح عليهم تحدّيًا للإجابة على التعارض الظاهري الذي أحدثوه من تلقاء أنفسهم. ومن جهة أخرى، فإن منهج أهل السنة والجماعة يقوم على التسليم التام للسنة الصحيحة الثابتة باعتبارها وحيًا من الله تعالى؛ وعليه يكون فهم القرآن الكريم متسقًا ومتماسكًا دون تناقض، بل توضح وتبين السنة النبوية ما قد يُشكل فهمه من القرآن.

وفي هذا السياق، قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ﴾ [الإسراء: 15] يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق، واقتفى آثار النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ ﴾ أي: عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود وبال ذلك عليه، ثم قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جانٍ إلا على نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ﴾ [فاطر: 18]. ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 13]، وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [النحل: 25] فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحمل عنهم شيئًا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده.

أما عن الشبهة المثارة في الحديث، فقد أجيب عليها كثيرا، وهنا تذكير يسير

أخرج البخاري في «صحيحه» (1290) قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ رضي الله عنه، جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا أَخَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ.»

وأخرج البخاري في «صحيحه» (1286) قال: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: «تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ رضي الله عنه بِمَكَّةَ، وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَدْ كَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ رضي الله عنه مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ، فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ، فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ، دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي، يَقُولُ: وَا أَخَاهُ، وَا صَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رضي الله عنه، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها، فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما شَيْئًا».

لا يقول عاقل أبدا أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قد ردَّت رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لظاهر القرآن. هي ردّت الرواية بما سمعته وحفظته عن رسول الله ﷺ، ثم استشهدت لتأييد قولها بالقرآن، ولا شك أن الاجتهاد في ترجيح أحد الخبرين لموافقته ظاهر القرآن ليس كمعارضة السنن وإبطالها بالقرآن، فشتان بين منهج هؤلاء المجتهدين من الصحابة في ردِّ هذه الروايات – والتي لا تتجاوز الثلاث – وبين منهج أولئك الذين اتخذوا من ظواهر القرآن معانيًا مشتبهة ردوا بها كل ما لا يتفق مع آرائهم، وما لا يروق لأذواقهم، من الأحاديث الصحيحة المحكمة التي اتفق أهل الإسلام على ثبوتها والأخذ بها، فعطلوا بذلك مئات الأحاديث والمرويات في مختلف مسائل العقيدة والأحكام، بل تطاول الأمر ببعضهم في هذا العصر، فنادى بمحاكمة الصحاح من كتب الحديث على أساس هذا المنهج السقيم المتهافت.

فلا عجب أن تجد الفقرة التالية في نفس الكتاب: «من المعروف أن الإمام البخاري المتوفي 256 هـ اختار نحو 4 آلاف حديث لرسول الله عليه الصلاة والسلام من نحو 600 ألف حديث جمعها في نحو 16 سنة، وقد اجتهد في وضع قواعد لصحة السند وجمع ما وجده صحيح الإسناد، فجزاه الله خيرًا، هو وكل العلماء الذين قاموا بمجهود كبير لحماية أحاديث رسول الله من الكذابين والوضاعين، لكن طبعا لا أنكر أني تجاهلت الأحاديث التي لم أجدها تتفق وما أعلمه من صحيح الدين».

أو أن تجد فيه الفقرة التالية: «إن علماء الحديث مثل البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه والترمذي ومسند الإمام أحمد والطبراني وابن حبان، اعتمدوا في الحكم على صحة الأحاديث التي يروونها على صحة السند فقط، وقد كان المفروض أن يستكمل العلماء من بعدهم هذا الجهد المشكور، فيبحثوا في نقد المتن، ليصلوا إلى أصح المتون، مثلما اجتهدوا ليصلوا لأصح الإسناد، لكن للأسف هذا لم يحدث، فنقد المتن حدث بصورة قليلة جدًا كفقرات داخل بعض الكتب». وطبعا أبان الكتاب عن المنهج المراد في نقد المتن: الهوى.

ختاما، قال ابن القيم رحمه الله في «تهذيب سنن أبي داود – ط عطاءات العلم» (2/336):

هذا أحد الأحاديث التي ردَّتْها عائشة، واستدركتها، ووهَّمت فيه ابن عمر. والصواب مع ابن عمر، فإنه حفظه ولم يهم فيه. وقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أبوه عمر بن الخطاب، وهو في «الصحيحين»، وقد وافقه عليه من حضره من جماعة الصحابة، كما خرَّجا في «الصحيحين» عن ابن عمر قال: لما طُعِن عمر أغمي عليه، فصيح عليه، فلما أفاق قال: أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت لَيُعذَّب ببكاء الحي»؟ وأخرجا أيضًا عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الميت يُعذَّب بِما نِيح عليه».

وأخرجا في «الصحيحين» أيضًا عن أبي موسى قال: لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: وا أخاه! فقال له عمر: يا صهيب، أما علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت ليعذب ببكاء الحي»؟ وفي لفظ لهما: قال عمر: والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يُبكَ عليه يُعذَّب».

وفي «الصحيحين» عن أنس: أن عمر لما طعن عَوَّلت عليه حفصة، فقال: يا حفصة، أما سمعتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المُعَوَّل عليه يعذب»؟

وفي «الصحيحين» عن المغيرة بن شعبة: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يُنَحْ عليه، فإنه يعذب بما نيح عليه».

فهؤلاء عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابنته حفصة، وصهيب، والمغيرة بن شعبة كلهم يروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومُحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا في الحديث.

والمعارضة التي ظنتها أم المؤمنين رضي الله عنها بين روايتهم وبين قوله: ﴿ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الأنعام:164] غيرُ لازمةٍ أصلًا. ولو كانت لازمة لزمتْ في روايتها أيضًا: «إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابًا»، فإن الله سبحانه لا يعذب أحدًا بذنب غيره الذي لا سبب له فيه. فما تجيب به أم المؤمنين عن قصة الكافر يجيب به أبناؤها عن الحديث الذي استدركته. ثم سلكوا في ذلك طرقًا:

أحدها: أن ذلك خاص بمن أوصى أن يُناح عليه، فيكون النَّوح عليه بسبب فعله، ويكون هذا جاريًا على المتعارف من عادة الجاهلية، كما قال قائلهم:

إذا متُّ فانْعَيني بما أنا أهله … وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا ابنةَ مَعْبد

وهو كثير في شعرهم. وأما من لم يتسبب إلى ذلك بوصية ولا غيرها فلا يتناوله الحديث. وهذا ضعيف من وجهين:

أحدهما: أن اللفظ عام.

الثاني: أن عمر والصحابة فهموا منه حصول ذلك وإن لم يُوصِ به.

ومن وجه آخر: وهو أن الوصية بذلك حرام يستحق بها التعذيبَ نِيح عليه أم لا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما علّق التعذيب بالنياحة لا بالوصية.

المسلك الثاني: أن ذلك خاص بمن كان النوح من عادته وعادة قومه وأهله، وهو يعلم أنهم ينوحون عليه إذا مات. فإذا لم ينههم كان رضًى منه بفعلهم، وذلك سبب عذابه. وهذا مسلك البخاري في «صحيحه»، فإنه ترجم عليه وقال: «إذا كان النوح من سنَّته»، وهو قريب من الأول.

المسلك الثالث: أن الباء ليست باء السببية، وإنما هي باء المصاحبة، والمعنى: يعذب مع بكاء أهله عليه، أي يجتمع بكاء أهله وعذابه، كقوله: خرج زيد بسلاحه؛ قال تعالى: ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ﴾ [المائدة:61].

وهذا المسلك باطل قطعًا، فإنه ليس كل ميت يعذَّب، ولأن هذا اللفظ لا يدل إلا على السببية، كما فهمه أعظم الناس أفهامًا، ولهذا ردَّته عائشة لما فهمت منه السببية.

ولأن اللفظ الآخر الصحيح الذي رواه المغيرة يُبطل هذا التأويل.

ولأن الإخبار بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله لا فائدة فيه.

المسلك الرابع: أن المراد بالحديث ما يتألَّم به الميت ويتعذب به من بكاء الحي عليه، وليس المراد أن الله تعالى يعاقبه ببكاء الحي عليه؛ فإن التعذيب هو من جنس الألم الذي يناله بمن يجاوره ممن يتأذى به ونحوه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «السفر قطعة من العذاب». وليس هذا عقابًا على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألُّم، فإذا وُبِّخ الميت على ما يناح به عليه لحقه من ذلك تألم وتعذيب.

ويدل على ذلك ما روى البخاري في «صحيحه» عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجَعلتْ أخته عَمْرةُ تبكي: واجَبَلاه! وا كذا، وا كذا، تُعدِّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: آنْتَ كذلك؟

وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن ثابت: «فإذا وجب فلا تبكينَّ باكية».

وهذا أصح ما قيل في الحديث. ولا ريب أن الميت يسمع بكاء الحي، ويسمع قرْعَ نعالهم، وتُعرَض عليهم أعمالُ أقاربهم الأحياء، فإذا رأوا فيها ما يسوئهم تألموا له. وهذا ونحوه مما يتعذب به الميت ويتألم، ولا تعارض بين ذلك وبين قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ بوجهٍ ما. اهـ.

والحمد لله رب العالمين.

Footnotes

  1. «صحيح مسلم» (2674). ↩

داخل السلسلة

هذا المقال من سلسلة «بطلان القول بعرض السنة على القرآن» (الحلقة 2 من 18).