مقال

الدعوة إلى التوحيد بين الغيرة على العقيدة وحُسن الأسلوب

تتناول المقالة أهمية الدعوة إلى توحيد الله تعالى بالموازنة بين الغيرة على العقيدة وصيانتها من البدع، وبين التحلّي بالحكمة والرِّفق في عرض الحقائق الشرعية.

الدعوة وطلب العلم

تمهيد

تتناول هذه المقالةُ أهميةَ الدعوة إلى توحيد الله تعالى، من خلال الموازنة بين الغيرة على العقيدة وصيانتها من البدع، وبين ضرورة التحلّي بالحكمة والرِّفق في عرض الحقائق الشرعية، وفق منهجٍ علميٍ ودعويٍ متوازنٍ يقوم على الدليل الشرعي والأسلوب الرفيق.

المحور الأول: غيرة المؤمن على التوحيد

التوحيد هو أعظم ما يُبذل فيه العمر، وأنبل رسالة أُرسلت بها الرسل، وهو الأصل الذي تُبنى عليه سائر الأعمال.

فمن هنا كانت الغيرة على التوحيد واجبةً على كل مسلم، إذ بها يُصان الدين من الانحراف ويُحفظ جناب الله من الشرك والبدع.

وجزى الله خيرًا كلَّ من غار على التوحيد، وحرص على تصحيح العقيدة، ودعا إلى الله على بصيرة، مستعملًا أسلوبًا كريمًا يليق بقدسية الدعوة، ويُبرز جمال الحق الذي يدعو إليه.

المحور الثاني: الحاجة إلى الخطاب العصري الواعي

ومع وفرة الدروس العقدية الكلاسيكية، إلا أن الواقع الدعوي اليوم يحتاج إلى خطابٍ معاصرٍ بلسانٍ يفهمه الشباب، يُوضِّح الإشكالات في الممارسات المنتشرة دون مصطلحات غامضة أو لغة تصادمية.

إنّ عرض التوحيد بلغةٍ مبسطةٍ مؤصَّلةٍ قادرة على الوصول إلى عامة الناس هو من فقه الدعوة، بل من تمام تبليغ الرسالة.

المحور الثالث: التوازن بين الغيرة والحكمة

كثير من الناس الذين يقعون في مظاهر مخالفة للتوحيد — كالمشاركة في الموالد أو التوسل بالقبور — لا يعادون العقيدة ولا يكرهون الدين، وإنما يفعلون ذلك عن جهلٍ أو حسن نيةٍ أو عاطفةٍ دينيةٍ فطرية.

وهؤلاء أولى الناس بأن يُخاطَبوا بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال الله تعالى:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾.

فالخطاب القاسي لا يُثمر، ومناط الإصلاح أن تُهذَّب النفوس قبل أن تُدان، وأن يُبصَّر الناس بالحق دون إغلاظ أو استعلاء.

المحور الرابع: تصحيح الفعل لا إدانة الأشخاص

الانشغال بالأسماء والأشخاص والهيئات يُضعف أثر الدعوة ويُبعدها عن جوهرها.

الواجب أن نركّز على بيان الفعل وتصحيح المفهوم، دون التعرّض للنيات أو الافتراضات الغيبية.

فالنية لا يعلمها إلا الله، والخوض فيها مَزلَّة دعوية تضعف الرسالة وتفقدها اتزانها.

المحور الخامس: المولد النبوي والممارسات المخالفة

حين نتناول قضايا كالموالد أو زيارة القبور، يجب أن يكون خطابنا قائمًا على العلم لا على الانفعال.

فالمحبة للنبي ﷺ لا تُبرّر ما خالف توحيد الله تعالى، والواجب توضيح الخطأ الشرعي في الأفعال لا في الأشخاص.

قال تعالى:

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.

﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾.

فالدعاء عبادة لا تُصرف إلا لله، والنبي ﷺ نفسه نهى عن الغلو في الصالحين، وقال:

«اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» (رواه مالك).

المحور السادس: التوسل المشروع والبدعي

التوسل إلى الله تعالى يكون بما شرعه، كالتوسل بالإيمان والعمل الصالح وأسمائه الحسنى ودعاء الصالحين الأحياء.

أما التوسل بالقبور أو بالأموات، فليس من دين الإسلام في شيء، ولم يفعله أحد من الصحابة مع النبي ﷺ بعد وفاته.

وقد ثبت في الصحيح أن عمر رضي الله عنه قال في عام الرمادة:

«اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا»، فيُسقَون.

فلو كان التوسل بالقبر جائزًا، لفعل ذلك عمر والصحابة، ولكنهم لم يفعلوه.

المحور السابع: محبة آل البيت واحترامهم

محبة آل بيت النبي ﷺ دين وإيمان، لكنّ المحبة لا تعني الغلو، ولا تجيز صرف شيء من العبادة لهم.

فنحن نجلّهم ونوقرهم ونعرف حقهم، لكن العبادة لا تكون إلا لله وحده.

قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾.

خاتمة

إنّ الغيرة على التوحيد واجبة، ولكنها لا تُثمر إلا إذا اقترنت بالعلم والبصيرة والرحمة.

والدعوة إلى التوحيد لا تؤتي ثمرتها إلا إذا جمعت بين بصيرة العالم وقلب الواعظ، لتكون كلمة التوحيد حياةً للقلوب ونورًا للأمم.

قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

نسأل الله أن يجعلنا من الدعاة إلى التوحيد على بصيرة، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يستعملنا في نصرة دينه برفقٍ وهدى.