مقال

فوائد من شرح رسالة ابن رجب (كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة) للشيخ الدكتور خالد المصلح حفظه الله

مختصر من شرح الشيخ د. خالد المصلح لرسالة ابن رجب الحنبلي «كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة»، في معاني الغربة في الدين، وصفات الغرباء، وفضلهم في الإصلاح والتزام السنة.

الرقائق والأخلاق والآداب

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أتباع نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن رسالة الإمام ابن رجب الحنبلي “كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة” تعد من الأمّهات التي ألقت الضوء على معاني الغربة في الدين، وصفات الغرباء، وفضلهم في الإصلاح والتزام السنة. وقد قام الشيخ الدكتور خالد المصلح – جزاه الله خيرًا – بشرح هذه الرسالة شرحًا وافيًا جمع بين البيان والتحليل، فجاء هذا الشرح معينًا على فهم مقاصد ابن رجب وبيان قيمتها العلمية والشرعية.

وفي هذا المقال، نقدم مختصرًا من شرح الشيخ د. خالد المصلح حفظه الله لهذه الرسالة القيمة، مع الحرص على حذف الأحاديث الضعيفة والأبيات الشعرية للاختصار، مع الاكتفاء بالصحيح من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ فيها الغنية والكفاية. ولإبراز النصوص الأصلية لابن رجب، تم تمييزها باللون الأحمر، بينما جاءت بقية المادة مختصرًا من كلام الشيخ خالد المصلح حفظه الله. وننصح القارئ الكريم بالرجوع إلى الشرح الكامل للاستزادة، فإن المختصر لا يغني عن الأصل. وقد أفدنا من العناوين التي وضعها طلعت بن فؤاد الحلواني في الطبعة التي حققها، جزاه الله خيرا.

قال د. خالد المصلح حفظه الله الكشف: هو الإزالة والبيان والإيضاح، هذا من حيث اللغة، والمقصود هنا هو الإزالة والرفع. فكشف الكربة: أي رفعها وإزالتها. والكربة: تطلق على الشدة، والمحنة، والنازلة الثقيلة على النفس، وسميت كربة لأنها تكرب الإنسان فتشده وتعصره. وتسمية هذه الرسالة بهذا الاسم هو لكشف كربة علمية اختلف العلماء في تحديدها وبيانها وإيضاحها، وهي أوصاف أهل الغربة.

بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا

قال ابن رجب رحمه الله: خرَّج مسلم في “صحيحه” من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء»1.

وخرّجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره وهي: قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: «النُزَّاع2 من القبائل»3.

وخرَّجه أبو بكر الآجري وعنده، قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يُصْلحون إذا فسد الناس»4.

وخرَّجه غيره وعنده قال: «الذين يفرون بدينهم من الفتن».

وخرَّجه الترمذي من حديث كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ: «إن الدين بدأ غريبًا، وسيرجع غريبًا، فطوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي»5.

وخرَّجه الطبراني من حديث جابر عن النبي ﷺ، وفي حديثه: قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون حين فساد الناس»6.

وخرَّجه أيضًا من حديث سهل بن سعد بنحوه7.

وخرجه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ، وفي حديثه: «فطوبى يومئذٍ للغرباء إذا فسد الناس»8.

وخرّج الإمام أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «طوبى للغرباء»، قلنا: ومن الغرباء؟ قال: «قومٌ قليلٌ في ناس سوءٍ كثيرٍ، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»9.

وروي عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا وموقوفًا في هذا الحديث: قيل: ومن الغرباء؟ قال: «الفرَّارون بدينهم يبعثهم الله تعالى مع عيسى ابن مريم عليه السلام»10.

قوله: «بدأ الإسلام غريبًا» يريد به أن الناس كانوا قبل مبعثه على ضلالة عامة، كما قال النبي ﷺ في حديث عياض بن حمار الذي أخرجه مسلم: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب»11.

تحول الإسلام من ضعف إلى قوة

فلما بُعِثَ النبي ﷺ ودعا إلى الإسلام لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة.

وكان المستجيب له خائفًا من عشيرته وقبيلته يُؤذى غاية الأذى، ويُنال منه وهو صابر على ذلك في الله عز وجل.

وكان المسلمون إذ ذاك مستضعفين يشردون كل مشرد ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية كما هاجروا إلى الحبشة مرتين، ثم هاجروا إلى المدينة. وكان منهم من يعذب في الله ومنهم من يقتل، فكان الداخلون في الإسلام حينئذ غرباء.

ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعزَّ، وصار أهله ظاهرين كل الظهور، فتحقق قول الحق جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾12، فظهر الإسلام على كل دين، حتى خلصت الجزيرة من كل عبادة سوى الله جل في علاه، وكان من آخر ما أوصى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»13، وهذا لظهور الإسلام وقوته، فلا يقبل له منازع في جزيرة العرب.

ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجًا، كما قال تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾14.

وأكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾15.

وتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك.

وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، كما في حديث عمران بن حصين، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»16، وهم متعاضدون متناصرون، وكانوا على ذلك زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم أعمل الشيطان مكائده على المسلمين وألقى بأسهم بينهم، وأفشى فيهم فتنة الشبهات والشهوات.

ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئًا فشيئًا حتى استحكمت مكيدة الشيطان وأطاعه أكثر الخلق، فمنهم من دخل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما، وكل ذلك مما أخبر النبي ﷺ بوقوعه.

فتنتا الشبهات والشهوات

هاتان الفتنتان مصدر كل بلاء وشر، فما من فساد في الدنيا ولا شر إلا وسببه إما شبهة أو شهوة، وتسميتهما فتنتا الشبهات والشهوات، هو من باب إضافة الشيء إلى سببه، فهما الفتنة التي سببها الشبهة، الفتنة التي سببها الشهوة.

الشبهات: جمع شبهة، والشبهة هي حائل يمنع من رؤية الحق، هذا تعريف الشبهة.

والشهوات: جمع شهوة، والشهوة هي ميل النفس إلى معصية الله أو إلى مخالفة أمر الله. والمعصية قد تكون بترك واجب أو انتهاك محرم.

هذا مختصر ما يقع من فساد في حال الناس، إما بسبب شبهة وهي ما يعرض لقلوبهم من عوارض تمنعهم من رؤية الحق ومعرفته.

وإما أن تغلبهم نفوسهم فتحملهم على مخالفة أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فكلاهما يؤدي إلى نتيجة واحدة وهو الخروج على الصراط المستقيم، لكن سبب الخروج مختلف، فمن الخروج ما يكون بسبب عدم الوضوح، ومن الخروج ما يكون بسبب عدم القدرة على الثبات، وعدم الاستمرار على الهدى والعمل به.

والشيطان لا يبالي ما أصاب من الإنسان، أصاب منه شهوة أو أصاب منه شبهة، لأن غرضه الصد عن سبيل الله، فكيف ما حصل هذا الصد تحقق غرضه المقصود. لكن من حيث مراتب الخطورة في الشبهة أو الشهوة، فالشبهة أخطر من الشهوة وكلاهما خطير، لكن جنس الشبهة أخطر، وليس كل شبهة أخطر من كل شهوة، إنما جنس الشبهات أخطر من جنس الشهوات، لأن في الشهوات يعرف الإنسان من نفسه المخالفة فقد يرجع، ولكن في الشبهة لا يعرف المخالفة، بل يظن أنه على حق، ولهذا في ميزان البدعة والمعصية، البدعة أشد خطورة، لأنها تتصل بالشبهات. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾17، وإذا كان يرى أن عمله حسناً، فإنه قلَّ أن ينزع أو أن يرجع عنه.

فأما فتنة الشبهات: فقد روي عن النبي ﷺ من غير وجه أن أمته ستفترق على أزيد من سبعين فرقة على اختلاف الروايات في عدد الزيادات على السبعين، وأن جميع تلك الفرق في النار، وكلها في النار لكونها خالفت ما عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا فرقة واحدة وهي ما كانت على ما هو عليه وأصحابه ﷺ18، كما جاء ذلك في ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الفرقة الناجية، فقال: « من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»19. والحديث في إسناده مقال إلا أنه جاء من طرق تقوّيه وتعضده وترقيه إلى درجة القبول، هذا من جهة. ومن جهة المعنى، لا إشكال في صحته أنه لا نجاة إلا بما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دل على هذا أحاديث كثيرة، «تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي، الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي»20، كما في مسند الإمام أحمد. وهذا يدل على أن التمسك بكتاب الله تعالى وبسنته وبعمله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحصل النجاة.

وأما فتنة الشهوات: ففي “صحيح مسلم”، عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «كيف أنتم إذا فُتحت عليكم خزائن فارس والروم، أي قوم أنتم؟» قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: نقول كما أمرنا الله، قال: «أوَ غَير ذلك تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون»21، وذكر هنا تسلسل البلاء، يبتدأ بالتنافس، والتنافس هو التزاحم على الشيء والتسابق إليه، فإذا تسابقوا وتزاحموا فالنتيجة أن يسبق بعضهم بعضاً، فإذا سبق بعضهم بعضاً حصل التحاسد، حسد بعضهم بعضاً، والحسد بلاء إذا دبَّ إلى القلب فإما أن يكتمه الإنسان ويستعيذ بالله تعالى منه، وهنا لا يضره، وإما أن يترجمه قولاً أو عملاً، فإذا ترجمه قولاً أو عملاً كان من نتائجه التدابر. والتدابر: هو كناية عن التفرق، لأنه إذا تدابر الشخصان فقد تيمما جهتين مختلفتين، والتدابر كناية عن التفرق والاختلاف في الأمة، والتدابر لا يكون فقط بالأبدان، بل يكون أيضا بالأفعال، والأقوال، وبغلظ القلوب. فالتدابر له مظاهر عديدة، وخلافه الحال الذي وصف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من التضامّ والاجتماع والتعاطف. والتعاطف ضد التدابر «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ»22، والتعاطف هو نوع من الالتحام بين أفراد الأمة، بخلاف التدابر الذي هو نوع من التفرق والاختلاف.

وفي صحيح البخاري عن عمرو بن عوف عن النبي ﷺ قال: «والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبْسطَ عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم»23.

وفي “الصحيحين” من حديث عقبة بن عامر عن عمر عن النبي ﷺ معناه أيضًا.

وكان النبي ﷺ يخشى على أمته هاتين الفتنتين كما في “مسند الإمام أحمد” عن أبي برزة عن النبي ﷺ قال: «إنما أخشى عليكم الشهوات التي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن». وفي رواية «ومضلات الهوى»24، وهذا من الشهوات الظاهرة، لكن الشهوات لا تقتصر على هذا، وإنما ذكر للتمثيل لأبرز أنواع الشهوات، وإلا هناك شهوة حب الجاه والمنصب والعلو والارتفاع عن الناس، هذا من الشهوات لكنه لا يتعلق بالبطن ولا يتعلق بالفرج، فذكر البطون والفروج لأنه محل غالب فتنة الناس، وليس قصراً للشهوات على هاتين، إنما هو من باب ذكر شيء من الأمثلة على الشهوات التي خافها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أمته. ومضلات الفتن هي الشبهات، ومضلات الهوى أي الضلالات الناشئة عن الهوى. والهوى مثل اسمه يهوي بأصحابه، ويسقط بهم في مرادي الضلال، ومواطن الشر والفساد.

فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخوانًا متحابين متواصلين.

فإن فتنة الشهوات عمَّت غالب الخلق ففُتنوا بالدنيا وزهرتها، وصارت غاية قصدهم، لها يطلبون، وبها يرضون، ولها يغضبون، ولها يوالون، وعليها يعادون، فقطعوا لذلك أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك!

وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة، والسبب في ذكر القبلة أنه أمر لم يختلف عليه أهل الإسلام على اختلاف مذاهبهم واختلاف عقائدهم، فلذلك كانت سمة مميزة لأهل الإسلام عن غيرهم، فإذا أطلق أهل القبلة كان المراد أهل الإسلام على أي اعتقاد كانوا، ونسب أهل الإسلام إلى القبلة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه البخاري وغيره من حديث أنس: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلاَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ»25، وتفرق أهل القبلة يعني تفرق المصلون، وصاروا شيعًا، وكفَّر بعضهم بعضًا، وأصبحوا أعداءً وفرقًا وأحزابًا بعد أن كانوا إخوانًا، قلوبهم على قلب رجلٍ واحدٍ، فلم ينج من هذه الفرق كلها إلا الفرقة الواحدة الناجية وهم المذكورون في قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»26.

والنجاة في الآخرة ثمرة النجاة في الدنيا، وهي النجاة من الشهوات، ومن الشبهات والضلالات والبدع، فلما نجو بفضل الله في الدنيا كان جزاؤهم النجاة في الآخرة، فتوصف الفرقة الناجية بهذا الوصف لأمرين: لنجاتها من الشهوات والشبهات والبدعة والضلالة في الدنيا، ولنجاتها من النار في الآخرة. والظهور يقتضي العلو والارتفاع كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾27، ظاهرين وهم على الحق، يدل على ثباتهم وتمكنهم من الحق الذي يعتقدون، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا منهم وأن يميتنا على ذلك.

وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث، الذي يصلُحون إذا فسد الناس، وهم الذين يُصلِحون ما أفسد الناس من السنة، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن، وهم النُزَّاع من القبائل، لأنهم قلّوا، فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنان، وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم أحدٌ كما كان الداخلون إلى الإسلام في أول الأمر كذلك، وبهذا فسر الأئمة هذا الحديث.

الإسلام لا يذهب، ولكن يذهب أهل السنة

قال الأوزاعي في قوله ﷺ:«بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ».

أَمَا إنه ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد، ولهذا المعنى يوجد في كلام السلف كثيرًا مدح السنة ووصفها بالغربة ووصف أهلها بالقلة.

واعلم أن هذه الغربة غربة نسبية، بمعنى أنها ليست في كل مكان وفي كل زمان. فلا تطلق الغربة على الدنيا كلها، بمعنى أنه لا يزول الحق، بل يبقى طائفة وفرقة متميزين بالحق وعاملين به، يظهرون في زمان وتقوى شوكتهم ويقلون في زمان، ويضعف سلطانهم، لكن لا يزال هذا الدين ظاهراً كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»28.

ولا يرتفع الإسلام بالكلية، ولا يغيب اسمه، فالإسلام لم يذهب، اسمه باقٍ، وهو ظاهر من حيث أتباعه كثرة ووفرة، ولكن يذهب أهل السنة، وهم الذين يلتزمون ما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما كان عليه أصحابه اعتقادا وعملا، وهذا أمر مهم يغفل عنه كثير من الناس، وهو أن نلزم ما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقيدة وعملا، وهؤلاء لا شك أنهم قلة، أندر من النادر.

ثم بعد هذا البيان لكون الإسلام بدأ غريباً، وبعد الكشف كيف عاد غريباً كما كان في حاله أول الأمر، يأتي الحديث عن الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث، وصفاتهم:

1- يَصلحون إذا فسد الناس.

2- يُصلحون ما أفسد الناس من السنة.

3- يفرون بدينهم من الفتن.

4- هم النُزَّاع من القبائل، والنزَّاع جمع نزيع، وهو المقتطع من الشيء، المستخلص من غيره، نُزَّاع من القبائل، فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنان، وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم أحدٌ كما كان الداخلون إلى الإسلام في أول الأمر كذلك.

وهذه الصفات مستفادة من مجموع الروايات المذكورة في أول هذه الرسالة المباركة.

كان الحسن رحمه الله تعالى يقول لأصحابه يا أهل السنة ترَّفقوا رحمكم الله فإنكم من أقل الناس، وهذا في خير القرون، «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»29، لأن الحسن البصري رحمه الله كان من التابعين، ولقي بعضا من الصحابة، وثبت سماعه من بعضهم، واختلف في سماعه من بعض آخرين، فإذا كان في القرون المفضلة بهذا الحجم، وهذه القلة، فلا شك أنهم قليلون في كل زمان ومكان.

وقال يونس بن عبيد: «ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها». وروي عنه أنه قال: «أصبح من إذا عرف بالسنة فعرفها غريبًا، وأغرب منه من يعرفها!».

وعن سفيان الثوري قال: «استوصوا بأهل السنة فإنهم غرباء».

ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه؛ السالمة من الشبهات والشهوات.

فالغربة تكون في الاعتقاد وتكون في العمل، ولهذا كان الفضيل بن عياض يقول: «أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال» وكثير من الناس لا ينظر إلى مسألة المسلك والعمل وأنها مما يحكم به على الإنسان هل هو من أهل السنة أو لا، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»30، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على عقيدة وعمل، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذا عقيدة ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾31، فلابد من الجمع بين الأمرين، وبه يتحقق للإنسان النجاة والسلامة، وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصال السنة التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه.

ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم السنة عبارة عما سَلِمَ من الشبهات في الاعتقادات خاصةً في مسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة. وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السُّنة، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة؛ لأن خطره عظيم والمخالف فيه على شفا هلكة!

السنة الكاملة هي الطريق السالمة من الشبهات والشهوات

وأما السنة الكاملة فهي الطريق السالمة من الشبهات والشهوات كما قال الحسن، ويونس بن عبيد، وسفيان والفضيل، وغيرهم. ولهذا وُصف أهلها بالغربة في آخر الزمان لقلتهم وغربتهم فيه؛ ولهذا ورد في بعض الروايات كما سبق في تفسير الغرباء: «قومٌ صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم».

وفي هذا إشارة إلى قلة عددهم وقلة المستجيبين لهم والقابلين منهم وكثرة المخالفين لهم والعاصين لهم؛ ولهذا جاء في أحاديث متعددة مدح المتمسك بدينه في آخر الزمان وأنه كالقابض على الجمر، وأن للعامل منهم أجر خمسين ممن قبلهم، لأنهم لا يجدون أعوانًا في الخير32.

تنبيه هام: الغربة الصحيحة والغربة المزعومة

تأمل رعاك الله أن هذه الصفات ليست هي سبب وصفهم بالغربة فقط، قد توجد هذه الصفات: يكون الإنسان في مكان لا يطيعه الكثير، ويقل المستجيب له، ويكثر المخالف له، لكن لا تكون هذه غربة صحيحة. لأن ذاك الرجل الذي جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود، يقول: يا محمد اتق الله واعدل33. هذا غريب في زمن الصحابة، ولذلك جاء بشيء لم يأته أحد قبله، يأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعدل، فينبغي ألا نأخذ هذه الصفات ونطبقها على أنفسنا دون النظر إلى صحة ما ندعو إليه، الإشكالية في بعض الأحيان ليست في رفض الناس لما ندعو، الإشكالية في بعض الأحيان أن ما ندعو إليه غير صحيح، أو أن ما ندعو إليه لا يُقدَّم بأسلوب مناسب وصحيح، وبالتالي لا يسوغ لنا الاستمرار على الخطأ بحجة أننا غرباء، هؤلاء الذين يُفجِّرون في بلاد المسلمين ويقتلونهم يرون أنهم غرباء، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، وأنهم قوم يُصلحون، يعني يطبقون هذه الأوصاف على حالهم، لكن الكلام ليس في انطباق الأوصاف على حال الشخص، إنما الكلام هل ما عند الشخص صحيح أم لا؟ هل ما يدعو إليه موافق لما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه أو لا؟ فقد يأتي إنسان يدعو إلى ضلالة ويكون على هذه الأوصاف التي ذكرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا لا يُدخله في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فطوبى للغرباء». وهذه إشكالية ننبِّه إليها لأن بعض الناس يلتبس عنده الأمر ويظن أن ردّ الناس لما يدعو إليه أن هذا تزكية له، طوبى للغرباء، هلّا راجعنا ما ندعو إليه هل هو صحيح أو لا؟ هلّا راجعنا طريقة عرضنا للحق صحيحة أو لا؟ هذه المسائل لابد من البحث فيها، ثم إذا كان ما عندنا حق مثل الشمس واضح وصريح ولا التباس فيه ولا اشتباه، وطرقنا كل سبيل مناسب لتبليغ الحق، ورُفض عند ذلك، أبشر فطوبى للغرباء، لا يضرك ألا يطيعك الناس، ولهذا لابد من النظر في المضمون الذي يدعو إليه الإنسان، النظر إلى الاعتقاد والمسلك والمنهج الذي يحمله الإنسان حتى يكون حقيقاً بهذه الصفات التي ذكرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: «فطوبى للغرباء».

أقسام أهل الغربة

وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما: من يُصلح نفسه عند فساد الناس، والثاني: من يُصلح ما أفسد الناس من السنة وهو الأعلى القسمين، وهو أفضلهما.

الحال الأولى في صلاح النفس، وهذا يكون بصلاح الباطن والظاهر، بأن يأتي الإنسان بما يمكنه وما يستطيع من صلاح قلبه، واستقامة عمله ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾34. ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، قالوه بقلوبهم وبصحة عقائدهم، و﴿اسْتَقَامُوا﴾، على الشريعة ما استطاعوا. هذا صلاح الإنسان في نفسه، أن يصلح قلبه وأن يصلح عمله ما استطاع.

وصلاح العمل بأن يأتي بما يستطيع من الواجبات، وبما يقدر عليه من التكاليف، ويترك ما نهاه الله تعالى عنه حسب طاقته لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»35.

الحال الثانية أن يُصلح ما أفسد الناس من السُّنة، فهو يجتهد في إصلاح ما أفسده الناس من شريعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والفساد هنا لا يلزم الفساد الاعتقادي، بل الفساد الاعتقادي والعملي. فيُصلح ما أفسده الناس في العقائد، ويصلح ما أفسده الناس أيضاً في الأعمال.

في مسند الإمام أحمد36 عن عبادة بن الصامت أنه قال لرجل من أصحابه: «يوشك إن طالت بك الحياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ فأعاده وأبداه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزل عند منازله لا يجوز فيكم إلا كما يجوز الحمار الميت».

ومثله قول ابن مسعود: «يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمَة»37.

وإنما ذَلَّ المؤمن آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد من أهل الشبهات والشهوات، فكلهم يكرهه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم، ومقصوده لمقصودهم، ومباينته لما هم عليه، لكن هذا لا يعني منافاة ما أخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»38، والظهور يقتضي القوة والعزة والارتفاع. فهذا الذل هو بالنسبة لقبول القول، لا بالنسبة لحال الشخص وما يكون عليه من ظهور قوله، فرق بين هذا وذاك، فهما وصفان لحالين مختلفين، وليس لأمرين مختلفين فيما يتعلق بتمسكهم بالحق وقيامهم به، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». أما هذا الذل الذي جاءت به الأخبار في حال أهل الإيمان ووصف حال أهل الغربة فهو في عدم قبول ما جاءوا به، وعدم إقبال الناس على ما جاءوا به وما عملوا به من الهدى والحق.

ولما مات داود الطائي قال ابن السَّمَّاك: «إن داود نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأعشى بقلبه بصر العيون، فكأنه لم ينظر إلى ما أنتم إليه تنظرون وكأنكم لا تنظرون إلى ما إليه ينظر، فأنتم منه تعجبون، وهو منكم يعجب، استوحش منكم أنه كان حّيًا وسط الموتى. ومقصده أنه نفذ ببصره من النظر إلى الدنيا وحالها إلى الآخرة وما فيها من نعيم وما فيها من عقاب. وهذا هو النظر الذي ينفع الإنسان ويزكي الأعمال، ويصلح به القلب وتستقيم به الحال، أن ينفذ الإنسان ببصره من ساعته الحاضرة إلى داره الآخرة. وبالتالي فإنه يعمل لدار يستقبلها لا يهمه ما يصيبه في هذه الدنيا، وهذا ما أراده ابن السَّمَّاك في كلامه عن داود، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾39. فالقلب له عين، هذه العين تبصر وترى، وبقدر قوة بصرها ورؤيتها، بقدر ما تدرك من الحق ويستقيم العمل، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم قلوباً باصرة.

وروى ابن المبارك عن الفضيل عن الحسن أنه ذَكَر الغني المترَف الذي له سلطانٌ يأخذ المال ويدعي أنه لا عقاب فيه، وذكر المبتدع الضال الذي خرج بسيفه على المسلمين وتأول ما أنزل الله في الكفار على المسلمين.

ثم قال: «سنتكم – والذي لا إله إلا هو – بينهما: بين الغالي، والجافي، والمترف، والجاهل، فاصبروا عليها؛ فإن أهل السنة كانوا أقل الناس، الذين لم يأخذوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في أهوائهم، وصبروا على سنتهم حتى أتوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا».

ثم قال: «والله لو أن رجلاً أدرك هذه المنكرات يقول هذا: هلم إليَّ، فيقول: لا أريد إلا سُنَّة محمد ﷺ يطلبها ويسأل عنها، إن هذا ليعرض له أجر عظيم، فكذلك كونوا إن شاء الله تعالى».

ووعد الله بالأجر في هذا المقام سببه - والله أعلم - شدة الدوافع المؤدية إلى الانحراف عن الصراط المستقيم، فمن يواجه الفتنة ويصبر عليها ينال من الأجر والثواب ما يفوق من لم يتعرض لمثل هذه الفتنة. فالصبر على المعاناة ومكابدة آثارها يزيد من منزلة الإنسان عند الله.

فعلى سبيل المثال، الامتناع عن الزنا يُثاب عليه المسلم امتثالًا لأمر الله تعالى القائل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾40. لكن الشخص الذي تعرض لإغراء مباشر وتوفرت له أسباب الوقوع في الزنا، وقيل له: “هيت لك” وامتنع خشية لله، يكون أجره أعظم من أجر من لم يُختبر بهذه الفتنة. فكلاهما مأجور؛ على الالتزام بالنهي والعزم على الطاعة، وللأول زيادة في أجره على صبره وثباته في وجه الإغراء.

ولهذا السبب جاء في الحديث عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: “إني أخاف الله ”41 فهذا المثال يوضح أن من تحيط به دواعي الوقوع في الخطأ ويصبر عنها يكون أجره أكبر ممن لم يواجه هذه الدواعي.

ومن هذا المنطلق، يتضح سبب مضاعفة أجور المتأخرين من الأمة في بعض الأحاديث، مثل الحديث الذي يذكر أن أجرهم يصل إلى “كأجر خمسين من الصحابة”42. فذلك بسبب كثرة الفتن والدواعي المحيطة بهم، والتي تدفعهم إلى الخروج عن الحق، سواء في العقائد، أو السلوك، أو الأعمال، أو الأقوال. ومع ذلك، لا يمكن أن تكون هذه المضاعفة في الأجر دليلاً على أفضلية المتأخرين قدرًا على المتقدمين من الصحابة، الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجاهدوا معه، وناصروا الدين في بداياته، رضي الله عنهم أجمعين.

تقسيم حملة العلم

ومن هذا المعنى ما رواه أبو نعيم وغيره عن كميل بن زياد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق».

ثم ذكر كلامًا في فضل العلم إلى أن قال: «إن ها هنا لعلمًا جمًا – وأشار بيده إلى صدره – لو أصبت له حَمَلَة، بل أصيب لَقِنا43 غير مأمون عليه44 مستعملاً آلة الدين للدنيا، ومستظهرًا45 بنعم الله على عباده وبحججه على أوليائه، أو منقادًا لحملة الحق لا بصيرة في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذلك، أو منهومًا باللذة سلس القياد للشهوة، أو مغرمًا بالجمع والادخار، ليس من رعاة الدين في شيء، أقرب شبهًا بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة، إما ظاهرًا مشهورًا أو خائفًا مغمورًا لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته. وكم ذا وأين أولئك؟ والله الأقلون عددًا والأعظمون عند الله قدرًا، يحفظ الله بهم حججه وبيِّناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأَنِسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه… آه شوقًا إلى رؤيتهم، انصرف إذا شئت!»46.

أما تقسيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو تقسيم إجمالي لأحوال الناس، وقد يكون هذا ليس في كل الأحوال، وقد يكون في حال دون حال: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، إذاً هم ثلاثة.

المرتبة الأولى - عالم رباني: وهذا في أعلى المنازل والمراتب.

المرتبة الثانية - متعلم على سبيل نجاة: يُرجى له النجاة والسلامة ما دام مشتغلاً بالتعلم.

المرتبة الثالثة - همج رعاع أتباع كل ناعق: يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصف المتلقين الآخذين للعلوم في زمانه: إن ها هنا لعلمًا جمًا، يشير إلى ما حواه صدره من العلم الذي تلقاه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو من أعلم الناس بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع. فهو من علماء الصحابة الأبرار، ومن أصحاب النظر والبصر، منذ نعومة أظفاره نشأ بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا عجب أن يقول ما قاله، وهذا ليس من تزكية النفس، فلا يدخل في قول الله تعالى ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾47، بل هذا من بيان ما يحمله الإنسان حثاً للناس على أخذه ، كما قال يوسف عليه السلام للملك ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾48، فهذا ليس من التزكية المنهي عنها، فالتزكية المنهي عنها هي التي يطلب بها العلو والشرف والارتفاع، وأما التزكية التي تبين الحق وتوضحه، وتدل عليه فهذه مما يطلب وقد يكون واجباً في بعض الأحيان إذا كان الحق لا يقوم إلا بالبيان.

يقول رضي الله عنه: بل أصيب لَقِنا غير مأمون، يعني ما يوجد حملة اقتنع بهم رضي الله عنه. بل أصيب لَقِنا غير مأمون عليه مستعملاً آلة الدين للدنيا، ويجب علينا قبل أن نطبق هذا على الناس، أن نطبقه على أنفسنا، نحن دائماً نهتم بالآخرين قبل أن نهتم بأنفسنا، ينبغي لكل واحد منا أن يطبق هذا الكلام على نفسه، هل هذه الخصال موجودة فيه؟ هل هو لَقِن غير مأمون؟ هل هو يستعمل آلة الدين للدنيا يتكسب به ويدرك بها شرفاً في الدنيا؟

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:أو منقادًا لحملة الحق، وهذا قسم ثان لا اشتغال له بالعلم، فهو منقاد يتبع أهل العلم، وهذا معنى قوله منقادًا لحملة الحق، لكن على غير بصيرة، ليس له بصيرة، بمعنى أنه منقاد دون نظر وفكر وتأمل وبصيرة فيما يأتي ويذر. لا بصيرة في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، فليس هناك رسوخ إنما هو تقليد لا معنى له.

ألا لا ذا ولا ذلك: يعني لا هذا ممدوح، ولا ذاك ممدوح.

أو منهومًا باللذة سلس القياد للشهوة: يعني هناك من سلم مما تقدم، لكنه مشتغل بشهوات نفسه. “سلس القياد للشهوة”، كلما عرض له بارق من بوارق الشهوة انقاد إليه. ” أو مغرمًا بالجمع والادخار، ليس من رعاة الدين في شيء، أقرب شبهًا بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه.

اللهم بلى: “بلى” للإضراب عما تقدم من كلام، لا تخلو الأرض من قائم بحجة، يعني هذا الكلام الذي ذكره متقدماً في وصف حال نقلة العلم رضي الله عنه لا يعني أنه ما هناك من هم أهل بصيرة يدخلون في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله»49.

أقسام القائمين بالحجة

والقائم بالحجة نوعان: إما ظاهرًا مشهورًا أو خائفًا مغمورًا لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته، يعني هؤلاء محفوظون باقون؛ لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته، كيف تبطل حجج الله وبيِّناته؟ لأنه لو مات حملة الشريعة الثقات، يبقى النص، والنص إنما يُحفظ بحملته الذي حوته صدورهم وعقلته قلوبهم. فقول الله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾50. هذا فيه بشارة لهذه الأمة بأن الله سيحفظ من أهل العلم من يحفظ بهم العلم.

حفظ القرآن حفظ أمرين

حفظ ألفاظه: وهذا ما زال، ولذلك ما تزال ألفاظ القرآن وحروفه لا يختلف فيها المسلمون منذ أن جمعه عثمان رضي الله عنه وأجمع على ذلك الصحابة إلى يومنا هذا القرآن متفق لفظه بين المسلمين، لا ينقصون منه حرف، لو ذهبت إلى أقاصي الدنيا شرقاً أو أقاصيها غرباً، وقرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾51، وأسقطت ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، لرد عليك الصغير قبل الكبير، هذا من حفظ ألفاظه. لكن أيضاً هناك حفظ آخر لا يتم حفظ الكتاب إلا به، وهو حفظ معانيه.

حفظ معانيه: وهذا إنما يكون بحفظ حملته الذين يفقهون ويعرفون ما فيه من الأسرار والحكم، وهذا هو الذي أشار إليه الإمام الخليفة علي رضي الله عنه حيث قال: “اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجة، إما ظاهرًا مشهورًا أو خائفًا مغمورًا لئلا تبطل حجج الله وبيِّناته. وكم ذا وأين أولئك؟ والله الأقلون عددًا، والأعظمون عند الله قدرًا، يحفظ الله بهم حججه وبيِّناته حتى يودعوها نظراءهم”، «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ - أي من كل طبقة من طبقات الأمة - «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه»52، يعني أمثل من في هذا العصر. لذلك العلماء هم أمثل أهل العصر في كل طبقة من طبقات الزمان. والصحيح في الحديث «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه»، يعني أمثل من فيه، وأطيب أهله.

وهذا ما أشار إليه علي رضي الله عنه حيث قال:” والله الأقلون عددًا والأعظمون عند الله قدرًا، يحفظ الله بهم حججه وبيِّناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة”. “هجم”، يعني أوقعهم، وأدخلهم على “حقيقة البصيرة”، والبصيرة هي إدراك حقائق ما أخبر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم. والبصيرة نور يقذفه الله في القلب يبصر به الإنسان الطريق الموصل إلى الله دون غبش ولا إلتواء. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم على بصيرة.

وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، والمترفون هم أهل الدنيا الذين أسرفوا في الأخذ منها، ويقابلهم من أَنِسوا بما استوحش منه الجاهلون، والجاهلون هم أهل الشبهات، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، يعني بالآخرة، فهم في الدنيا، لكن قلوبهم نافذة إلى ما عند الله، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يمن علينا بسلوك طريقهم.

فقسَّم أمير المؤمنين رضي الله عنه حملة العلم إلى ثلاثة أقسام:

قسم هم أهل الشبهات: وهم من لا بصيرة53 له من حملة العلم، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة فتأخذه الشبهة فيقع في الحيرة والشكوك، ويخرج من ذلك إلى البدع والضلالات.

وقسم هم أهل الشهوات، وحظهم نوعان:

أحدهما: من يطلب الدنيا بنفس العلم فيجعل العلم آلة لكسب الدنيا.

والثاني: من همه جمع الدنيا واكتنازها وادخارها.. وكل هؤلاء ليسوا من رعاة الدين وإنما هم كالأنعام. ولهذا شبه الله تعالى من حُمِّل التوراة ثم لم يحملها بالحمار الذي يحمل أسفارًا، وشبه عالم السوء الذي انسلخ من آيات الله وأخلد إلى الأرض واتبع هواه بالكلب، والكلب والحمار أخس الأنعام وأضلُّ سبيلاً.

والقسم الثالث من حملة العلم: هم أهله وحملته ورعاته والقائمون بحجج الله وبيناته. وذكر أنهم الأقلون عددًا الأعظمون عند الله قدرًا؛ إشارة إلى قلة هذا القسم وغربته من حملة العلم.

وقد قسَّم الحسن البصري رضي الله عنه حملة القرآن إلى قريب من هذا التقسيم الذي قسمه علي رضي الله عنه لحملة العلم.

ينبغي أن يعرض الإنسان نفسه على هذه الأقسام لينظر من أيها هو، فإن هذا هو فائدة مثل هذه القراءات ومثل هذه المطالعات حتى ينظر الإنسان إلى ما معه من نقص فيكمله، وما معه من خير فيزيده.

وعلاج الشبهة العلم، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾54، فإن الشبهة تضمحل وتزول بالعلم سؤالاً وطلبا.

وقسم هم أهل الشهوات، وصنفهم صنفين، فقال: وحظهم نوعان: أحدهما: من يطلب الدنيا بنفس العلم فيجعل العلم آلة لكسب الدنيا، هذا الذي يتكسب بعلمه، ويريد بالعلم المال، لا يعني أن كل من أخذ على علمه شيئاً أنه من هذا الصنف، لكن فرق بين من يتعلم ويشتغل بالعلم ثم يأخذ عليه شيء يستعين به على الحق والهدى، فهذا داخل في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه في “الصحيح” من حديث ابن عباس، «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ»55، فرق بينه وبين ذاك الذي جعل الهم للدنيا والدين وسيلة لكسبها.

ولذلك هؤلاء همهم الدنيا ليس همهم العلم، إنما همهم الدنيا يتكسبون بالدين منها ويأخذونها بالدين، هذا هو موطن الذم.

والثاني: من همه جمع الدنيا واكتنازها وادخارها، وكل هؤلاء ليسوا من رعاة الدين وإنما هم كالأنعام”، من يطلب الدنيا بنص العلم، يعني يجعل الدنيا محلاً وغرضاً وغاية يتكسبها بالعلم ” من همه جمع الدنيا واكتنازها وادخارها. هو لم يجعل الدين وسيلة لكسب الدنيا لكن أخذت الدنيا قلبه، حتى أصبح همه الاستكثار من المتع والأنوار وسائر ما في الدنيا من زخارف وملذات، فأعمى حب الدنيا قلبه، لكن لم يجعل الدين وسيلة لكسب الدنيا، فرق بين الصنفين، لكن كلاهما من أهل الشهوات.

والقسم الثالث من حملة العلم: هم أهله وحملته ورعاته والقائمون بحجج الله وبيناته. وذكر أنهم الأقلون عددًا الأعظمون عند الله قدرًا؛ إشارة إلى قلة هذا القسم وغربته من حملة العلم.

أصناف قرّاء القرآن

قال الحسن: قُرَّاء القرآن ثلاثة أصناف: «صنف اتخذوه بضاعة فيتأكلون به، وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده واستطالوا به على أهل بلادهم واستندوا به لطلب الولاية، أكثر هذا الضرب من حملة القرآن، لا كثَّرهم الله، وضرب عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم، فركدوا به في محاريبهم وحنوا به في برانسهم واستشعروا الخوف، وارْتَدَوا الحزن، فأولئك الذين يسقي الله بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء، والله لهؤلاء الضرب في حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر بين قراء القرآن».

فأخبر أن هذا القسم – وهم قراء القرآن – جعلوه دواء لقلوبهم فأثار لهم الخوف والحزن أعز من الكبريت الأحمر بين قراء القرآن.

ووصف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه هذا القسم من حملة العلم بصفات، منها أنه هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة.

ثم ذكر ابن رجب رحمه الله قريباً من تقسيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما ذكره الحسن البصري رحمه الله وهو صاحب بيان وعلم ونسك، ولكلماته رحمه الله نور يشبه كلام الأنبياء والصحابة.

قال الحسن: قُرَّاء القرآن ثلاثة أصناف: «صنف اتخذوه بضاعة فيتأكلون به”، أي يتكسبون به، ووسيلة إلى التزيد من الدنيا.

وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده واستطالوا به على أهل بلادهم واستندوا به لطلب الولاية”، يعني هؤلاء فتنتهم ليس في المال، إنما في الجاه.

الصنف الأول فتنته في المال، جعل القرآن موطن للتكسب، والثاني جعل القرآن وسيلة لطب العلو والارتفاع والولاية على الخلق، يقول ابن رجب: أكثر هذا الضرب من حملة القرآن، لا كثَّرهم الله.

والقسم الثالث وهو أشرفها قال: “وضرب عمدوا إلى دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم”، الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾56. ولذلك كان القرآن دواء للقلوب إذ أنه يشفيها من أمراضها وآفاتها، وهمومها، وأحزانها، وأقذارها، فمن أراد طب قلبه فعليه بالقرآن العظيم. فإن المحافظة على تلاوة القرآن وتدبره من أعظم ما تداوى به القلوب، نسأل الله ان يطب قلوبنا بذكره.

فركدوا به في محاريبهم أي سكنوا، الركود هنا معناه السكون وهو ما يكتسبه صاحب القرآن من سكينة تحمله على الطاعة والعبادة، وحنوا به في برانسهم واستشعروا الخوف، وارْتَدَوا الحزن، أي ظهر عليهم أثر خوف الآخرة، خوف الله جل وعلا، فالحزن هنا ليس المقصود به ما يقذفه الشيطان في قلوب المؤمنين من الضيق، إنما الحزن الذي يراد به الخوف والوجل والاستعداد للآخرة، فأولئك الذين يسقي الله بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء، والله لهؤلاء الضرب في حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر”، يعني أندر من النادر، والكبريت الأحمر مثل يضرب للشيء الذي يقل ويعز وجوده.

يقول:“فأخبر أن هذا القسم – وهم قراء القرآن – جعلوه دواء لقلوبهم فأثار لهم الخوف والحزن”، وأنهم قلة.

ثمرة العلم هي معرفة الله تعالى وتقواه وخشيته

ثم بدأ يعلق على ما ذكره علي رضي الله عنه في وصف حملة الكتاب الذين هم أهله القائمون به. يقول رحمه الله:

ومعنى ذلك أن العلم دلَّهم على المقصود الأعظم وهو معرفة الله فخافوه وأحبوه حتى سَهَّل ذلك عليهم كل ما تعسر على غيرهم.

فلم يصل إلى ما وصلوا إليه ممن وقف مع الدنيا وزهرتها واغتر بها ولم يباشر قلبه معرفة الله وعظمته وإجلاله، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون؛ فإن المترف الواقع مع شهوات الدنيا وزينتها ولذاتها يصعب عليها ترك لذاتها وشهواتها؛ لأنه لا عوض عنده من لذات الدنيا إذا تركها فهو لا يصبر على تركها.

فهؤلاء في قلوبهم العوض الأكبر بما وصلوا إليه من لذة معرفة الله ومحبته وإجلاله، كما كان الحسن يقول: «إنَّ أحباء الله هم الذين ورثوا طيب الحياة وذاقوا نعيمها بما وصلوا إليه من مناجاة حبيبهم، وبما وجدوا من لذة حبه في قلوبهم…» من كلام يطول ذكره هنا في هذا المعنى.

وإنما أَنِسَ هؤلاء بما استوحش منه الجاهلون؛ لأن الجاهلين بالله يستوحشون من ترك الدنيا وشهواتها؛ لأنهم لا يعرفون سواها فهي أُنسهم، وهؤلاء يستوحشون من ذلك ويستأنسون بالله وبذكره، ومعرفته، ومحبته، وتلاوة كتابه، والجاهلون بالله يستوحشون من ذلك ولا يجدون الأنس به.

هذا التعليق في غاية الأهمية لبيان ثمرة العلم. ثمرة العلم هي معرفة الله تعالى، ثمرة العلم هي كمال العلم بالله جل في علاه، ولذلك يقول رحمه الله في تفسير كلام الإمام علي رضي الله عنه:“منها أنه هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة”، على غايتها، ولبها وجوهرها.

ومعنى ذلك أن العلم دلَّهم على المقصود الأعظم، الذي ينبغي لكل من طلب العلم واشتغل به أن يكون حاضراً في ذهنه هو معرفة الله تعالى، معرفة الله تعالى هي أصل العلوم، معرفة الله تعالى هي منبع الخيرات، معرفة الله تعالى هي سعادة الدنيا ونجاة الآخرة. ولذلك كان أول ما أمر الله تعالى به رسوله من العلوم قوله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ**﴾57، فأعلى ما يجب على المؤمن أن** يجتهد به وأن يصرف جهده وطاقته في تحصيله هو العلم بالله تعالى، لأن العلم بالله تعالى يحصل للعبد به كل سعادة. ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسعد الناس وأعبد الناس لأنه كان أعلم الخلق بربه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد أخبر بذلك فقال: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا»58. ثم ذكر الثمرة فقال: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ»59. فالعلم بالله تعالى هو أصل المعارف، أصل الخيرات، عنه يصدر كل بر وخير، ولذلك هؤلاء الذين وصفهم الإمام علي رضي الله عنه “هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة”، فعلموا ما للرب من الكمالات، تعرفوا على الرب الذي يعبدون، الذي له يصلون، وله يزكون، وله يصومون، ومن أجله يحجون، عرفوا ذلك فكان هذا غاية العلم الذي مكنهم من تحقيق غاية العبودية الظاهرة والباطنة.

بخلاف الذي يتعبد وهو جاهل بقدر ربه جل وعلا، فإنه مهما اجتهد في العمل الظاهر يبقى القلب فارغاً من لذة العبودية، ولهذا يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في “الصحيحين” من حديث أنس «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ»60، لذته التي تغني عن كل لذة. ولهذا لذة الطاعة لا يوازيها أبداً لذة من لذات الدنيا. ولهذا الذين تم علمهم بالله والتذوا بمعرفته، تكون كل الملذات بالنسبة لهم لا شيء.

هذا ما أشار إليه الإمام الحسن البصري رحمه الله حيث قال: “لَوْ يَعْلَمُ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مَا نَحْنُ فِيهِ لَجَالَدُونَا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ”61، يعني لحاربونا عليها ولقاتلون عليها بالسيوف. هذه السعادة مصدرها وسببها العلم بالله تعالى، فبقدر ما مع الإنسان من العلم بالله، والعلم بما له من الكمالات بقدر ما يكون معه من السعادات، وبقدر ما يكون معه من تحقيق العبودية، فيجب أن نجتهد في التعرف على الله تعالى، والذي يريد أن يتعرف على الله تعالى عليه أن يقبل على القرآن، وعلى ما جاء عن خير الأنام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبه يَعلم ما لله جل وعلا من الكمالات، ثم تأتي الخيرات.

والخوف لا يكون إلا عن تعظيم وإجلال، قال: ” فخافوه وأحبوه”، لما خافوه وأحبوه هان عليهم كل شيء حتى أنفسهم تهون عليهم. ولذلك يقدمونها في سبيل مرضاته، وإذا كان رضاه لا يكون إلا ببذل أنفسهم بذلوا أنفسهم لله جل في علاه. ولذلك يقول: “حتى سَهَّل ذلك عليهم كل ما تعسر على غيرهم”، ولهذا ترى أحدهم يثقل عليه أداء الصلاة كما لو كانت جبلًا فوق كاهله، بينما تجد آخر لا يهنأ له نوم، مترقبًا وقت الصلاة بشوق وفرح، وقلبه معلّق بها، ينتظر الصلاة بعد الصلاة. فما الذي جعل هذا في تلك الحال من التثاقل، وجعل ذاك في حال من الشوق والفرح؟ السبب هو أن الثاني أدرك شيئًا عظيمًا وفهم سرًا عميقًا، جعله يرى في الصلاة راحته وسكينته، فصار ما كان يبدو عسيرًا على الأول يسيرًا عليه، وما كان صعبًا سهلا؛ لأنه يعلم الهدف الذي يسعى إليه ويوقن بالجزاء الذي ينتظره. لذلك يقول الحسن البصري رحمه الله في التعليق على قوله تعالى في وصف عباد الرحمن قال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾62. تتجافى أي تتباعد، الجنوب تتباعد عن الفرش، لماذا؟ طلباً للخلو بالله تعالى ومناجاته، فهؤلاء ما تقر جنوبهم، إذا ناموا تجد أن نومهم نوم القلق، الذي يخشى أن يفوته شيء. هؤلاء هذه حالهم لكن ليس في مقابلة الخلق، ولا في تحصيل أمر دنيوي، إنما في مناجاتهم لله تعالى، لهذا يقول الحسن:“لأمر ما” يعني هناك شيء معين، “أسهر القوم ليلهم”63، أسهروه لأنهم ذاقوا لذة لا يجدها غيرهم. وهذه اللذة هي السر في إقبال أهل الطاعة على طاعتهم، وهي السر في صبرهم ومكابدتهم، في تحمل المتاعب لتحصيل طاعة الله تعالى، وهذا من نعمة الله تعالى على العبد أن يريه نتيجة عمله في الدنيا قبل الآخرة. «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً»64. إذاً: هؤلاء الذي سهل عليم كل ما تعسر على غيرهم من ثمرة علمهم بالله، فلما علموا ما له من الكمالات، وعلموا أن بيده الدنيا والآخرة، وأنه يعطي ويمنع، كانت قلوبهم في غاية التعلق به، ترقبه وتبحث عن رضاه، لأنه إذا رضي فإنه تيسر كل شيء، وإذا غضب على العبد فإنه لا فلاح له لا في دنياه ولا في أخراه.

كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل

ومن صفاتهم التي وصفهم بها أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنهم صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالنظر الأعلى65، وهذا إشارة إلى أنهم لم يتخذوها وطنًا، ولا رضوا بها إقامة ولا مسكنًا، إنما اتخذوها ممرًا ولم يجعلوها مقرًا.

وجميع الكتب والرسل أوصت بهذا، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه في وعظه لهم: ﴿يقَوْم إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39].

وقال النبي ﷺ لابن عمر: «كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، فكأنك بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل»66… وفي رواية: «وعدَّ نفسك من أهل القبور».

ومن وصايا المسيح المروية عنه عليه السلام، أنه قال لأصحابه: «اعبروها ولا تعمروها».

وعنه عليه السلام أنه قال: «من الذي يبني على موج البحر دارًا؟! تلك الدنيا فلا تتخذوها قرارًا».

وهذا سر جَمْعِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين النوعين من الملاذّ، يقول: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ»67. النبي صلى الله عليه وسلم لم يهمل التمتع بالدنيا، ولم يجعل الدنيا منصَرفا عنها بالكلية، بل قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ»، وهذا أمر طبيعي تهواه النفوس وتميل إليه القلوب، لكن أين الملذة الحقيقية الدائمة الثابتة التي هي غاية القرار والسكون؟ يقول :« وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ»، قرة العين هو سكونها، هو بهجتها، هو طمأنينتها، لا يوصف شيء بأنه قر عينه إلا إذا أدرك مطلبه على الغاية والمنتهى .

كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نظر من الدنيا إلى ما يعجبه قال: «لبيْك، إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة»68، ليصرف النفس أن تميل أو تتعلق بهذه المظاهر والزخارف. فهي مهما كانت بهيجة فهي لا تعادل شيئاً مما يكون في الآخرة من النعيم والملاذ.

والغربة التي أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها في قوله: «كُنْ في الدنيا كأنك غريب»، أي حالك كحال الغريب الوافد على مكان لا يعهده ولا يسكن فيه ولا يقر، لأن المتاع الذي فيها ليس له فيه حظ. هكذا ينبغي أن يكون الإنسان في الدنيا كالغريب، لا يلتفت إلى غير غايته ومقصده وهدفه وهو الوصول إلى قصده. هكذا ينبغي أن يكون الإنسان في مسيرة في الدنيا، هذه الدنيا لم نأتها لنقيم فيها، إنما جئناها لنعمرها بالطاعة والإحسان، لنغتنم منها ما يسره الله تعالى من أنواع البر والطاعة وفعل الخير الذي نتزود به إلى اللقاء الأعظم، لقاء رب العالمين، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾69. فلذلك ينبغي أن يكون هذا هو الهم، وكل ما يكون من الأمور الأخرى إنما هي حواشي، إنما هي من فضول الاهتمام، وليس من صلب الهم، ومن صلب ما يعتني به الإنسان.

فالمؤمن في الدنيا كالغريب المجتاز ببلدة غير مستوطن فيها يشتاق إلى بلده وهمه الرجوع إليها، والتزود بما يوصله في طريقه إلى وطنه، ولا ينافس أهل ذلك البلد المستوطنين فيه في عزهم، ولا يجزع مما أصابه عندهم من الذل، لأنه ليس مقيماً وعما قريب مرتحل.

الكآبة والكدر ليست من صفات المؤمنين

قال الفضيل بن عياض: «المؤمن في الدنيا مهموم حزين همه مَرَمَّةُ جهازه»، مَرَمَّة إي إصلاح وترميم وإعداد جهازه الذي يتجهز به في مسيره، والجهاز هنا ما يتجهز به إلى لقاء ربه، غاية ما يهتم به هو التهيئة والإعداد لما يعينه في وصوله إلى غايته. وقوله: مهموم، أي أنه يحمل هماً، وحزين، المقصود بالحزن هنا أنه منصرف عن كل ما يشغله، وليس المقصود بالحزن هنا الكآبة، والكدر، فإن الكآبة والكدر ليست من صفات المؤمنين، بل الله تعالى شرح الصدور بالطاعة والإحسان، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾70. والآية الأخرى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾71. فالقرآن والهداية هي من أعظم ملاذ القلوب وسعادتها. والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾72، وهم في نعيم في الدنيا قبل الآخرة. وقد قال جماعة من العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمة: “إن في الدنيا لجنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”73.

جنة الدنيا هي تلك السعادة الغامرة التي يعيشها المؤمنون عند تذوقهم لذة الطاعة والإحسان، والانسجام مع العبادة، والإقبال على الله تعالى بقلوب مطمئنة. إنها لذة تفوق كل لذات الدنيا، فلا شيء يعدلها أو يوازيها. فمن اجتهد في الطاعة، رغم ما قد يكتنفها من مشقة، وابتعد عن المعصية، رغم ما قد تبدو عليه من بريق ولذة، ثم صبر وثبت على ذلك، فإن الله تعالى يعوضه في قلبه نعيمًا يفوق الوصف، وسكينة لا يُدرك مداها. وهذا النعيم القلبي أسمى وأعمق من كل راحة قد يجدها الإنسان في ترك الطاعة أو متعة عابرة قد ينالها بفعل المعصية.

لهذا يقول الله تعالى في كتابه ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾74، إطلاق البصر في الملذات هو مما تميل إليه النفوس، وبعض الناس إذا فات عليه المنظر وشعر أنه فات منه شيء من هذه الملاذ المحرمة شعر أنه فَقَد شيئاً، لذلك تجده يبحث عن تعويض هذا الذي فقده.

في حين أنه إذا رأى ما يحرم عليه فصرف بصره، أو تسهل له النظر إلى ما يحرم عليه فغض بصره، أدرك من اللذة في قلبه أضعاف ما يدركه من اللذة بنظره إلى ما حرم الله. لذلك يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾، انظر النتيجة من غض البصر. يقول الله تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ أي غض البصر، وحفظ الفرج ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾، أزكى لقلوبهم وأطهر لها. وليس الطهارة هنا المقصود بها أنها تستقيم على الطاعة فقط، بل ألذ وأسر وأنعم وأبهج وأطيب وأصلح لقلبه من أن يدرك ما يشتهيه من المحرمات، لأن هذه المحرمات سهام تصيب قلبه.

ولذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ»75. الثوب الأبيض تنكت فيه نكتة سوداء أكيد أنها ستؤثر عليه، ثم ثانية، ثم ثالثة، حتى يسود كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا»، أبيض في اللون، والصفا في القوة، «وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا».

وقال الحسن: «المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له شأن وللناس شأن»، وهذا حال الغريب لا يجزع من ذلها، لأنه عما قريب مرتحل، ولا ينافس في عزها، لأن عزها مهما ارتفع وعلا فهو إلى زوال، بخلاف عز الآخرة وذلها، فإنه عز لا ينقطع، وذل لا يرتفع، نسأل الله أن يعزنا وإياكم بطاعته.

وفي الحقيقة فالمؤمن في الدنيا غريب لأن أباه لما كان في دار البقاء ثم خرج منها فهمُّه الرجوع إلى مسكنه الأول، فهو أبدًا يحن إلى وطنه الذي أُخرج منه76، كما يقال: حب الوطن من الإيمان77. هذا المقطع بيَّن وجه أن الشعور بالغربة هو شعور فطري، وذلك أن الإنسان في هذه الأرض طارئ وليس أصلياً، فوجوده في هذه الأرض طارئ. فالله تعالى خلق آدم وأسكنه جنته، وعلى خلاف في أقوال العلماء في الجنة التي سكنها آدم هل هي جنة الخلد أو جنة أخرى خلقها الله تعالى الله أعلم بها. على قولين، وغالب العلماء على أنها جنة الخلد، وأن دخوله كان دخول امتحان واختبار، إذ أن الله تعالى منعه من أكل الشجرة، فخرج منها لما خالف أمر الله تعالى وأطاع عدوه، فمجيئه إلى هذه الدنيا هو مجيء ابتلاء، ثم هو صائر إما إلى داره الأولى، وإما إلى عذاب وجحيم، نسأل الله السلامة والعافية. وهذا في الآخرة فإن الناس ينقسمون إلى هذين القسمين: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾78.

أقسام المؤمنين في تعلق القلب

والمؤمنون في هذا القسم أقسام: منهم من قلبه معلق بالجنة، ومنهم من قلبه معلق عند خالقه وهم العارفون. ولعل أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه إنما أشار إلى هذا القسم؛ فالعارفون أبدانهم في الدنيا وقلوبهم عند المولى. أي أن المؤمنين ليسوا على حال واحدة في نظرهم وتعلق قلوبهم بالآخرة، وتعلق قلوبهم بالنظر الأعلى، والنظر الأعلى قلنا إما إلى الجنة وما أعده الله لأوليائه أو إلى الله جل في علاه، منهم من قلبه معلق بالجنة، وهي ما أعده الله تعالى لأوليائه وحزبه، ومنهم من قلبه معلق عند خالقه وهم العارفون، فهذا قلبه معلق بالنظر إلى الله يرقب ذاك النعيم ويأمل ذاك اللقاء، وقوله أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه إنما أشار إلى هذا القسم، يعني الذين تعلقت قلوبهم بالله تعالى، فالعارفون أبدانهم في الدنيا وقلوبهم عند المولى، قلوبهم عند المولى اهتماماً ونظراً وارتقاباً وفكراً وأملاً، وما إلى ذلك.

جاء في “صحيح البخاري” من حديث شريك بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ.»79 وهذا يدل على ولاية الله تعالى لأوليائه ، فذلك الذي تأتيه المعونة، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل المعونة.

أقسام الغربة: الظاهرة، والباطنة

وأهل هذا الشأن هم الغرباء، وغربتهم أعز الغربة، فإن الغربة عند أهل الطريقة غربتان: ظاهرة وباطنة.

فالظاهرة: غربة أهل الصلاح بين الفسَّاق، وغربة الصادقين بين أهل الرياء والنفاق، وغربة العلماء بين أهل الجهل وسوء الأخلاق، وغربة علماء الآخرة بين علماء الدنيا الذين سُلِبوا الخشية والإشفاق، وغربة الزاهدين بين الراغبين فيما ينفد وليس بباق.

وأما الغربة الباطنة: فغربة الهمة، وهي غربة العارفين بين الخلق كلهم حتى العلماء، والعباد، والزهاد؛ فإن أولئك واقفون مع علمهم، وعبادتهم، وزهدهم، وهؤلاء واقفون مع معبودهم لا يعرجون بقلوبهم عنه.

فكان أبو سليمان الداراني يقول في صفتهم: “وهِمَّتهم غير همة الناس، وإرادتهم الآخرة غير إرادة الناس، ودعاؤهم غير دعاء الناس”. وسئل عن أفضل الأعمال، فبكى وقال: “أن يطلع على قلبك فلا يراك تريد من الدنيا والآخرة غيره”.

وقال يحيى بن معاذ: “الزاهد غريب الدنيا، والعارف غريب الآخرة”. يشير إلى أن الزاهد غريب بين أهل الدنيا، والعارف غريب بين أهل الآخرة، لا يعرفه العباد ولا الزهاد، وإنما يعرفه من هو مثله وهمته كهمته. وربما اجتمعت للعارف هذه الغربات كلها أو كثير منها أو بعضها فلا يسأل عن غربته حينئذ، فالعارفون ظاهرون لأهل الدنيا والآخرة.

قال يحيى بن معاذ: “العابد مشهور والعارف مستور”. وربما خفي حال العارف على نفسه لخفاء حالته وإساءة الظن بنفسه. قال إبراهيم بن أدهم: “ما أرى هذا الأمر إلا في رجل لا يعرف ذلك من نفسه ولا يعرفه الناس”.

الغربة أقسام ودرجات ومراتب، وليست على منزلة واحدة، بل هي متفاوتة بتفاوت أحوال الناس، ولذلك قال رحمه الله: إن الغربة عند أهل الطريقة غربتان: ظاهرة، وباطنة، ظاهرة يعني يشهدها الناس بأبصارهم، وباطنة وهي ما يتصل بأعمال القلوب وأحوالها، وهي شأن لا يوقف له على حقيقة في التفاوت بين الناس، التفاوت فيه عظيم، هذا التفاوت بين قلوب الناس في تحقيق العبودية بين أيضًا ما يترتب على ذلك من الإثابة والأجر كما بين السماء والأرض في فضلٍ وفي رجحان، والغربة الباطنة هي غربة أعمال القلوب، وهؤلاء واقفون مع معبودهم، وهذه المعرفة منزلة عالية كبيرة وهي غاية العلم ومنتهاه، يعني هي المقصود من المعارف والعلوم، أن يرى الإنسان الأمور على حقائقها، وأن تجلو عن عينه الغشاوة والحواجب والكدر الذي يمنعه من الرؤيا.

فكان أبو سليمان الداراني لما سئل عن أفضل الأعمال بكى وقال: أن يطلع الله جل وعلا على قلبك فلا يراك تريد من الدنيا والآخرة غيره، وهذه هي مرتبة الإخلاص التي قال الله تعالى فيها ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾80، نسأل الله أن يبلغنا على هذه المنازل.

وهذا معنى كلام إبراهيم بن أدهم: ما أرى هذا الأمر يعني يبلغ منزلة المعرفة التامة بالله تعالى إلا في رجل لا يعرف ذلك من نفسه، يعني ذاب في قلبه النظر إلى عمله وأصبح لا يرى لعمله شيء، ولا له منزلة، ولا له مكانة، ولا يعرفه الناس، فهو خفي عنهم، لا يظهر لهم عمله، بل يستره عنهم، كما يستر عنهم سيئاته، وهذه الواحد إذا تدبرها قال: “يا رب عفوك”، ونسألك يا رب أن تسلمنا من الرياء” فينبغي أن يكون حرصنا على إخفاء أعمالنا إذا لم تكن مصلحة كحرصنا على إخفاء سيئاتنا. إذا بلغنا هذه المنزلة بلغنا منزلة كبرى في الإخلاص لله جل وعلا، نسأل الله أن يبلغنا صدق معرفته، وعظيم الإخلاص له.

وفي حديث سعد عن النبي ﷺ: «إن الله يحب العبد الخفي التقي»81.

وفي حديث معاذ عن النبي ﷺ: «إن الله يحب من عباده الأخفياء الأتقياء الذين إذا حضروا لم يُعرفوا، وإذا غابوا لم يُفقدوا، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم»82.

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «طوبى لكل عبدٍ لم يعرف الناس، ولم تعرفه الناس وعرفه الله منه برضوان، أولئك مصابيح الهدى تُجلى عنهم كل فتنة مظلمة».

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، مصابيح الظلام، تَخفون على أهل الأرض، وتُعرفون في أهل السماء».

فهؤلاء أخص أهل الغربة، ومن ظهر منهم للناس فهو بينهم ببدنه، وقلبه معلق بالنظر الأعلى.

قوله ومن ظهر منهم أي من اضطر إلى الظهور لتحقيق مصلحة وإدراك منفعة شرعية، فإنه لا يعنيه هذا الظهور عن أن يكون معلق بالقلب بالله تعالى، لا يرقب من الناس نفعًا ولا ضرًا، وما أصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الأعرابي الذي جاء فقال له: يا محمد اعطني إن مدحي زين وذمي شين، يعني إذا مدحت يطير مدحي في الآفاق، وإذا ذممت ذمي يشين من أذمه، فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «ذاك الله»83، يعني الذين مدحه يزين وذمه يشين هو الله، وأما الخلق فمدحهم لا يزين وذمهم لا يشين.

وأكثرهم لا يقوى على مخالطة الخلق، فهو يفر إلى الخلوة ليستأنس بحبيبه؛ ولهذا كان أكثرهم يطيل الوحدة. «وقيل لبعضهم: ألا تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني». وقال آخر: «وهل يستوحش مع الله أحد؟». وعن بعضهم: «من استوحش من وحدته فذلك لقلة أنسه بربه».

وكان يحيى بن معاذ كثير العزلة والانفراد، فعاتبه أخوه فقال له: إن كنت من الناس فلابد لك من الناس. فقال يحيى: إن كنت من الناس فلابد لك من الله. وقيل له: إذا هجرت الخلق فمع مَن تعيش؟ قال: مع مَن هجرتُهم له.

وعوتب ابن غزوان على خلوته فقال: «إني أصبت راحة قلبي في مجالسة مَن لديه حاجتي».

ولغربتهم من الناس ربما نُسب بعضهم إلى الجنون لبعد حاله من أحوال الناس كما كان أويس يقال ذلك عنه.

أويس القرني الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (يأتيكم في أمداد أهل اليمن، وقال لعمر إذا لقيته فسأله أن يستغفر لك، فلما جاءه عرف عمر قال أكتب لك إلى أمير الكوفة لأنه كان متوجه إلى الكوفة، قال أكون في غبراء الناس أحب إليَّ. فهو يشير إليه رحمه الله ورضي عنه، وهو خير التابعين، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم «خير التابعين». والعمل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ما هو؟ كان له أمٌّ هو بها بَر فهذا كان عمله الذي بلغ به تلك المنزلة العليا، نسأل الله من فضله.

وكان أبو مسلم الخولاني كثير اللهج بالذكر لا يَفْتُر لسانه، فقال رجل لجلسائه: أمجنون صاحبكم؟ قال أبو مسلم: يا ابن أخي! لكن هذا دواء الجنون. يعني دواء الجنون هو ذكر الله، كما قال الله تبارك وتعالى ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾84.

وقال الحسن في وصفهم: «إذا نظر إليهم الجاهل حسبهم مرضى وما بالقوم من مرض».

ويقول: «قد خولطوا وقد خالط القوم أمر عظيم هيهات، والله مشغول عن دنياكم».

وثبت عنه ﷺ أنه سئل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»85.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

وفي ختام هذا المختصر، نسأل الله تعالى أن يوفقنا للسير على خطى الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، ويحيون ما اندثر من معالم السنة، ويثبتون على الحق رغم غربة الدين وقلة الناصر. كما نسأله أن يجزي الإمام ابن رجب الحنبلي خير الجزاء على جهوده المباركة في نصرة السنة وبيان معانيها، وأن يجزل المثوبة لشيخنا الدكتور خالد المصلح على شرحه القيم الذي أفاد طلاب العلم وعامة المسلمين.

هذا العمل المختصر ما هو إلا محاولة للتقريب، ويبقى الأصل في شرح الشيخ خالد المصلح هو المرجع لمن أراد التوسع. ونسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

Footnotes

  1. مسلم (145) ، وابن ماجه (3986). ↩

  2. والنزَّاع جمع نزيع، وهو المقتطع من الشيء، المستخلص من غيره. ↩

  3. أخرجه أحمد 1/398 وابن ماجه 3988. ↩

  4. أخرجه أبو بكر الآجري رقم (1). ↩

  5. أخرجه الترمذي (2631). ↩

  6. قال الهيثمي في المجمع (7/278): رواه الطبراني في الأوسط. ↩

  7. قال الهيثمي في المجمع (7/278): رواه الطبراني في الثلاثة من حديث سهل بن سعد. ↩

  8. أحمد (1604) ، وأبو يعلى (756). ↩

  9. أحمد (6661) ، (7094) ، قال الهيثمي في المجمع (7/278): رواه أحمد والطبراني في (الأوسط). ↩

  10. أخرجه أحمد في الزهد، ص77، والآجري في الغرباء رقم (37). ↩

  11. أخرجه مسلم (2865). ↩

  12. سورة التوبة:33. ↩

  13. “صحيح البخاري”(3053)، ومسلم (1551). ↩

  14. سورة النصر. ↩

  15. سورة المائدة:3. ↩

  16. أخرجه البخاري (2652)، ومسلم (2533). ↩

  17. سورة فاطر:8. ↩

  18. انظر السلسلة الصحيحة حديث رقم 203 و 304. ↩

  19. أخرجه بهذا اللفظ الحاكم في “المستدرك”(1/219)، ح (444)، والطبراني في “الأوسط” (5/137) ح (4886)، وأخرجه أيضًا: في “الصغير” (2/29) ح (724)، قال الهيثمي (1/189): فيه عبد الله بن سفيان. قال العقيلي: لا يتابع على حديثه هذا وقد ذكره ابن حبان في “الثقات”. ↩

  20. ” المسند”(3/59)، وأخرجه البيهقي (10/114)، ح (20124). وأخرجه أيضًا: اللالكائي (1/80)، ح (90)، بلفظ «إني قد خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يَرِدَا علىَّ الحوضَ». ↩

  21. “صحيح مسلم” (2962). ↩

  22. أخرجه البخاري (6011). ↩

  23. ” صحيح البخاري” (3158) ، (4015) ، ومسلم (2961). ↩

  24. أخرجه أحمد رقم (19793، 19794) ، (19809). ↩

  25. “صحيح البخاري”(393). ↩

  26. أخرجه البخاري (71) ومسلم (1037) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. ↩

  27. سورة التوبة: 33. ↩

  28. تقدم تخريجه. ↩

  29. أخرجه البخاري (2652)، ومسلم (2533). ↩

  30. تقدم تخريجه. ↩

  31. سورة البقرة:25. ↩

  32. أخرج أبو داود (4341) ، والترمذي (3060) ، وابن ماجه (4014). ↩

  33. أخرجه البخاري (3344)، ومسلم (1064). ↩

  34. سورة فصلت:30. ↩

  35. أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337). ↩

  36. المسند (4/125، 126). ↩

  37. أخرجه نعيم بن حماد (1/188) ح (501)، وأخرجه من حديث علي رضي الله عنه هناد في “الفتن” (1/191)ح(516) ، والديلمي (5/439)(8672) . ↩

  38. تقدم تخريجه. ↩

  39. سورة الحج:46. ↩

  40. سورة الإسراء:32. ↩

  41. الحديث أخرجه البخاري (660)، ومسلم (1031)، من حديث أبي هريرة. ↩

  42. أخرجه أبو داود (4341)، والترمذي (3058)، وقال:” حسن غريب”، وقال الألباني:” ضعيف لكن فقرة أيام الصبر ثابتة”. ↩

  43. أي يأخذ العلم ويتلقاه. ↩

  44. يعني هذا الذي أجده ممن يحمل عني العلم. ↩

  45. مستظهراً أي يطلب الظهور، بنعم الله من العلم والمعرفة والدراية والفهم على عباده. ↩

  46. الحلية 1/79-80. ↩

  47. سورة النجم:32. ↩

  48. سورة يوسف:55. ↩

  49. تقدم تخريجه. ↩

  50. سورة الحجر:9. ↩

  51. سورة الفاتحة. ↩

  52. أخرجه البيهقي (10/209) ح (20700)، وابن عساكر (7/38) والعقيلي (4/256، ترجمة 1854 معان ابن رفاعة السلامي) ،وقال الهيثمي (1/168):“رواه البزار وفيه عمرو بن خالد القرشي كذبه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ونسبه إلى الوضع”. ↩

  53. البصيرة “هي النور الذي يقذفه الله تعالى في قلب العبد يميز به بين الحق والباطل” ↩

  54. سورة النحل:43. ↩

  55. “صحيح البخاري”(5737). ↩

  56. سورة يونس:57. ↩

  57. سورة محمد:19. ↩

  58. أخرجه البخاري (20). ↩

  59. أخرجه مسلم (1108). ↩

  60. أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43). ↩

  61. انظر ” الجواب الكافي” ص (77). ↩

  62. سورة السجدة :16. ↩

  63. ذكر هذا الأثر ابن أبي الدنيا في “التهجد” من طريق حجاج بن يوسف، حدثنا أبو أحمد عن سفيان عن رجل عن الحسن. ↩

  64. أخرجه مسلم (34). ↩

  65. أي بالنظر إلى الجنة، والنظر إلى الله تعالى وما أعده لأوليائه ↩

  66. أخرج البخاري شطره الأول رقم (6416). ↩

  67. أخرجه أحمد (3/128)، والنسائي (3939)، من حديث أنس، وصححه الألباني. ↩

  68. أخرجه ابن خزيمة (4/260)، ح (2831)، والحاكم (1/465)، والبيهقي في “السنن الكبرى” (5/45)، من حديث داود عن عكرمة عن ابن عباس ، قال الحاكم:” قد احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بداود، وهذا الحديث صحيح ولم يخرجاه”. ↩

  69. سورة البقرة:197. ↩

  70. سورة الزمر:22. ↩

  71. سورة الأنعام:125. ↩

  72. سورة الانفطار:13. ↩

  73. انظر “المستدرك على مجموع الفتاوى” (1/154). ↩

  74. سورة النور:30. ↩

  75. أخرجه مسلم (144). ↩

  76. يقصد رحمه الله هنا الجنة التي كان فيها آدم عليه السلام. ↩

  77. لا يصح حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ↩

  78. سورة الشورى: 7. ↩

  79. “صحيح البخاري”(6502). ↩

  80. سورة القصص. ↩

  81. أخرجه مسلم (2965) ، وأحمد (1441) ، (1529). ↩

  82. أخرجه ابن ماجه رقم (3989) بلفظ مقارب. قال البوصيري في الزوائد: في إسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف. ↩

  83. أخرجه الترمذي رقم (3267) بلفظ مقارب، وقال هذا حديث حسن غريب. ↩

  84. سورة الرعد:28. ↩

  85. أخرجه البخاري (50) ، (4777) ، ومسلم (9، 10). ↩