بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
تتمة باب خبر الواحد:
يستكمل الإمام الشافعي في هذا المقطع مناقشة شروط قبول خبر الواحد، ويرد على بعض الاعتراضات التي قد تُثار حول قبول خبر الواحد، ويُبين بعض المسائل المتعلقة به، مُركزاً على أهمية التحري والتثبت في قبول الحديث.
النقاط الرئيسية التي تناولها الإمام الشافعي في هذا المقطع:
- عدالة الراوي لا تثبت بمجرد الرواية عنه: يُبين الإمام الشافعي أن مجرد رواية الثقة عن راوٍ لا يدل على تعديل هذا الراوي، بل لا بد من التصريح بعدالته من قِبل عدول آخرين. ويرد على من يرى أن رواية الثقة عن راوٍ تعديل له. ويُبين أن رواية الثقة عن غيره قد تكون لأسباب أخرى غير التعديل، كاستنكار الحديث أو البحث عن ثقة آخر يُؤيده أو حسن الظن بالراوي.
- التشدد في قبول الحديث أكثر من الشهادة: يُبين الإمام الشافعي أن الناس يتشددون في قبول الشهادة ولا يقبلونها إلا من عدل معروف العدالة، بينما قد يتساهلون في قبول الحديث ويروون عمن لا يعرفون صدقه أو ضبطه، وذلك من باب حسن الظن. ويُبين أن هذا التساهل غير مقبول، وأن التحري والتثبت في قبول الحديث أولى من التحري في قبول الشهادة، لعظم شأن الحديث وموقعه من الدين.
- علة اشتراط الضبط في الحديث: يُبين الإمام الشافعي علة اشتراط الضبط في الحديث، وهي أن اللفظة الواحدة قد تُغيّر معنى الحديث، وقد ينطق بها الراوي بغير لفظ المحدث فيُحيل معناها، وهو غير عامد لذلك. فإذا كان الراوي يجهل هذا المعنى أو لا يُؤدي الحديث بحروفه، كان غير عاقل للحديث، فلا يُقبل حديثه.
- قبول شهادة من لا يُقبل حديثه: يُبين الإمام الشافعي أنه قد يُقبل شهادة شخص في المحكمة ولا يُقبل حديثه، وذلك لأن الشهادة تكون على أمر محسوس يُعبّر عنه بألفاظ معروفة، بينما الحديث قد يُروى بالمعنى، فيحتاج إلى معرفة جيدة باللغة العربية حتى لا يُغيّر المعنى، وقد يكون الشاهد عدلاً في نفسه ولكنه غير ضابط للحديث أو لا يُؤديه باللفظ، فيُرَد حديثه وتُقبل شهادته.
- التدليس ليس كذباً: يُبين الإمام الشافعي أن التدليس ليس كذباً، ولكنه درجة متوسطة بين الصدق والكذب، فالمدلس لا يكذب، ولكنه يُوهم السماع فيما لم يسمعه، فيروي “عن” أو “قال” موهماً أنه سمع مباشرة. ويُبين أن رواية المدلس لا تُقبل حتى يُصرح بالسماع بلفظ “سمعت” أو “حدثني” أو “أخبرني” أو “أنبأني”.
- قبول رواية قليل التدليس: يُبين الإمام الشافعي أنه لا يقبل رواية المدلس حتى يُصرح بالتحديث ولو كان قليل التدليس، بينما يرى جمهور العلماء قبول رواية قليل التدليس كالبخاري ومسلم إذا لم يُدلّس في الحديث الذي يُستدل به. ويُبين أن هذه المسألة محل اجتهاد بين العلماء.
- الفرق بين “حدثني” و “أخبرني”: يُبين الإمام الشافعي أن صيغ “حدثني” و “أخبرني” و “سمعت” كلها تدل على السماع، ولكن “سمعت” أصرحها، وأن “حدثني” تدل على الإفراد، بينما “أخبرني” تحتمل القراءة على الشيخ.
- معرفة حال الرواة: يُبين الإمام الشافعي أن معرفة حال الرواة تكون بتتبع أحوالهم المختلفة، كحفظهم وكتابتهم واختلاطهم وكبر سنهم، وبمقارنة رواياتهم بروايات الثقات، وبرجوع إلى أهل الخبرة بهم من علماء الجرح والتعديل.
توضيحات إضافية:
- العدالة والضبط: هما شرطان أساسيان في قبول الراوي، فالعدالة تعني استقامة دين الراوي وأمانته، والضبط يعني حفظه للحديث وفهمه له.
- الجرح والتعديل: هو علم يبحث في أحوال الرواة من حيث العدالة والضبط، ويُبين مراتب الجرح والتعديل.
- الاختلاط: هو تغير عقل الراوي بسبب كبر السن أو مرض أو غير ذلك، فيصبح يُحدث بأوهام وأغلاط.
الخلاصة النهائية:
يُبين الإمام الشافعي في هذا المقطع شروط قبول خبر الواحد، ويُناقش بعض المسائل المتعلقة به، مُركزاً على أهمية التحري والتثبت في قبول الحديث، وأن مجرد رواية الثقة عن راوٍ لا يكفي لقبول حديثه حتى تُعرف عدالته وضبطه، وأن التدليس ليس كذباً ولكنه يُوجب التثبت من سماع الراوي للحديث، وأن الاحتياط في قبول الحديث أكثر من الاحتياط في قبول الشهادة.
داخل السلسلة
هذا المقال من سلسلة «مختصر شرح كتاب الرسالة للشافعي - شرح د. ياسر برهامي» (الحلقة 40 من 64).