مقال

وقفة مع معنى الإيمان وحقيقة المسؤولية

استحضار حقيقة السير إلى الله، وفهم معالم الطريق ومواقع الخلل ومواطن الغفلة، مع شيوع مفاهيم مغلوطة حول الإيمان، والتوبة، والجهل، والعذر.

النصائح والمواعظ

المقدمة

الحمد لله الذي خلق الخلق لغايةٍ عظيمة، وربط مصيرهم الأخروي بسلامة القلوب وصلاح الأعمال، وجعل هذه الدنيا ممرًّا لا مقرًّا، وابتلى عباده فيها ليبلوَهم أيهم أحسن عملًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الدالّ على الله قولًا وعملًا وحالًا، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

إن من أعظم القضايا التي يحتاجها المسلم في هذا الزمان: استحضار حقيقة السير إلى الله، وفهم معالم الطريق، ومواقع الخلل، ومواطن الغفلة، خاصة مع شيوع مفاهيم مغلوطة حول الإيمان، والتوبة، والجهل، والعذر.

الغاية من الخلق وحقيقة المسير

قرر القرآن الكريم بوضوح أن الغاية من خلق الإنس والجن هي عبادة الله وحده، فقال سبحانه:

﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56 مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ 57 إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58].

وهذه العبادة ليست طقوسًا معزولة عن الحياة، بل هي سيرٌ دائم إلى الله، كما قال عز وجل:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ 6 فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ 7 فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا 8 وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا 9 وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ 10 فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا 11 وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا 12 إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا 13 إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ 14 بَلَىٰٓۚ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرٗا﴾ [الانشقاق: 6-15].

ومن تأمّل هذا المعنى علم أن الدنيا ليست دار استقرار، وإنما مرحلة اختبار، وأن العبرة ليست بطول المسير، وإنما بحسن الخاتمة، وسلامة القلب، كما قال سبحانه:

﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ 88 إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ﴾ [الشعراء: 88-89].

منزلة اليقظة والمحاسبة

أولى منازل السائرين إلى الله هي اليقظة، وهي انتباه القلب من رقدة الغفلة، واستشعار حقيقة الحساب، قال تعالى:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 18 وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 19 لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ [الحشر: 18-20].

فالمؤمن الصادق لا يعيش على التبرير، ولا يركن إلى حسن الظن المجرّد، بل يراجع نفسه، ويزن أعماله، فإن وجد خيرًا حمد الله وسأله الثبات، وإن وجد تقصيرًا بادر بالرجوع والإنابة، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾ [الذاريات: 50].

غير أن المؤلم أن كثيرًا من الناس – إلا من رحم الله – يفرّ من الله بالمعصية، بدل أن يفرّ إليه بالطاعة.

التوبة ضرورة لا خيار

إذا صحت اليقظة، قادت بالضرورة إلى التوبة؛ لأن العبد لا يخلو من تقصير، قال سبحانه:

﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: 31].

والتوبة تشمل الشرك ظاهرَه وخفيَّه، والنفاق الاعتقادي والعملي، والكبائر والصغائر، والتقصير في الواجبات.

ومن الدلائل العميقة على أهمية هذا المعنى: أن الاستغفار شُرع عقب أعظم الطاعات، كالصلاة، إقرارًا بالتقصير، واعترافًا بعجز العبد عن أداء حق الله على الوجه اللائق بجلاله.

الإيمان بين القول والعمل

من أخطر الانحرافات الفكرية في واقع المسلمين: الفصل بين القول والعمل، أو الظن أن العمل ليس من حقيقة الإيمان.

والصواب الذي دلت عليه النصوص، وأجمع عليه السلف: أن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

قال تعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا 107 خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا﴾ [الكهف: 107-108].

فمجرد الدعوى لا تكفي، والمحبة الصادقة لله ولرسوله ﷺ لها أمارات عملية، كما أن ادعاء المحبة بلا أثر سلوكي ضرب من التناقض، والله سبحانه أولى بأن يُصدَّق له القول بالعمل.

الاغترار بسعة الرحمة وخطر الذنوب الصغيرة

من تلبيس الشيطان على الناس: التعلّق بآيات الرجاء مع إهمال آيات الوعيد، مع أن الله تعالى جمع بينهما في مواضع كثيرة، فقال:

﴿نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 49 وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50].

كما أن الاستهانة بالصغائر خطر عظيم؛ فإن الذنوب – وإن صغرت – إذا تراكمت، أفسدت القلب، حتى يُطبع عليه.

أثر الصغائر مع الإصرار

لو أن إنسانًا أمسك دبوس إبرة، وأخذ يطعن به جسدًا حيًّا طعناتٍ خفيفة متتابعة، فإن الطعنة الأولى لا تُهلك، ولا الثانية، ولا الثالثة، لكن مع كثرة الطعن واستمرار التكرار، قد تصيب إحداها موضعًا قاتلًا، فيهلك الجسد، لا لعِظم الأداة، بل لتراكم الأثر.

وهكذا شأن الذنوب الصغائر؛ فإن الذنب الواحد قد يُغفر، لكن الإصرار عليه، والاستهانة به، وتتابعه دون توبة، قد يورث قسوة القلب ويُضعف نور الإيمان، حتى يصل العبد – من حيث لا يشعر – إلى حالٍ لا ينتبه فيها للذنب أصلًا.

وقد قال النبي ﷺ:

«إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتت في قلبِهِ نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتَّى تعلوَ قلبَهُ، وَهوَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّه كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ » أخرجه الترمذي (3334).

ولهذا قال بعض السلف: لا تنظر إلى صِغَر الذنب، ولكن انظر إلى عِظَم من عصيت.

الفرق بين الجهل والإعراض

من القضايا الدقيقة التي يكثر فيها الخلط: الفرق بين الجهل والإعراض.

فالجاهل هو من بذل وسعه، وسأل، وبحث عن الحق، وقَصُر علمه رغم ذلك.

وأما المعرض، فقد توفرت له السبل، وبلغته الحجة، لكنه أعرض بإرادته.

ولهذا لا يُعذر من أعرض عن تعلّم ما لا يسعه جهله، كما دلت عليه نصوص كثيرة، ومن ذلك:

قصة الذي أساء صلاته، حيث لم يُعذر بجهله بعد البيان، وإجماع العلماء على فساد حج من جامع زوجته قبل التحلل الأكبر؛ لأنه فرّط في تعلّم ما تعيّن عليه.

الطريق والمرور

لو أن دولةً وضعت نظامًا واضحًا لتنظيم المرور، وأعلنت قوانينه، ونشرت لوائحه، ووضعت العلامات الإرشادية على الطرق، ثم قاد رجلٌ سيارته بسرعةٍ مفرطة غير ملتفتٍ إلى اللوحات ولا التحذيرات، ولا إلى تنبيهات الناس له، حتى أوقفته جهة الرقابة وعوقب، ثم قال: «لم أكن أعلم»، لم يُلتفت إلى دعواه؛ لأن القانون مُعلن، والعلامات واضحة، والقدرة على التعلّم متاحة، والأمر منتشر بين من حوله.

وهذا المثال يُنير حال كثيرٍ من الناس في شأن دين الله؛ فقد رزقهم الله السمع والبصر والعقل، وأنزل إليهم كتبه، وبعث فيهم رسله، وأقام في ديارهم شعائر الإسلام، ويسّر لهم العلم وأهله، ثم يُعرض بعضهم عن تعلّم ما افترض الله عليه، ويحتج بعد ذلك بالجهل، وهي حجة لا تستقيم شرعًا ولا عقلًا.

قال تعالى:

﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22]،

وقال سبحانه:

﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا 57 وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا﴾ [الكهف: 57-58].

فالإشكال – في كثير من الأحوال – ليس فقدان العلم، وإنما الإعراض عنه.

الخاتمة

إن السير إلى الله طريق واضح المعالم، لكن العقبة الكبرى فيه ليست الجهل المجرّد، وإنما الغفلة، والتسويف، والإعراض عن التعلّم والعمل.

فمن صحّت يقظته، وصدقَت توبته، واستقام ظاهره وباطنه، رُجي له أن يلقى الله بقلب سليم، وهو الفوز الحقيقي.

نسأل الله أن يردّنا إليه ردًّا جميلًا، وأن يرزقنا قلوبًا سليمة، وأعمالًا صالحة، وخواتيم حسنة.