بداية الحلم
لم يكن يدري أن ما يحسبه فقرًا كان في الحقيقة حصنًا من الله يحميه من دروب الهلاك.
تخرّج حديثًا في الجامعة، يحلم - مثل كثير من الشباب - بالسيارة الفارهة، والهاتف الأحدث، ووظيفةٍ محترمة مرموقة في بنكٍ ربوي يعلم منذ نعومة أظفاره أن معاملاته محرّمة… لكن بريق الدنيا قد يُعمي البصر والبصيرة.
إغراء البطاقة
قبِل وظيفة متواضعة، وراتبه بالكاد يسدّ حاجته. ومع ضغوط الحياة، بدأ يفكّر في إصدار بطاقة فيزا. نصحه بعض الأصدقاء بالابتعاد عن الربا، لكن شهوة المظاهر كانت أبلغ في قلبه من النصيحة.
في المكتب، جلس بجانبه زميله سامي - شاب ثري، سيارته الفاخرة تلمع في مواقف الشركة - فقال له مازحًا:
سامي، أنت تشتري كل شيء كاش؟ ولا عندك فيزا بلاتينية زي الكبار؟
ابتسم سامي بهدوء، وكأنه يلقي في قلبه بذرة نور:
الحمد لله… لا أتعامل بالربا، ولا أضع نفسي في دَين لأحد. أُخرج الزكاة أولًا بأول، أضع مالي في استثمارات حلال - حتى لو كانت أرباحها أقل - لأن البركة في الحلال أغلى من كل رقم على ورق.
لكن كلماته لم تُثنه، وهزّ كتفيه قائلًا في نفسه: هذا يتكلم من برج الغِنى… أما أنا فلي طريقي.
الباب الذي انفتح
ذهب إلى البنك. سخر موظف الائتمان من راتبه الضئيل:
لن تحصل على البطاقة إلا بوديعة… ضع المال أولًا.
لم يكن يملك المبلغ، فجاءه وسواس الشيطان: اقترض… ستصبح مثلهم.
فاقترض. أودع. وأصدر البطاقة. وانفتح الباب.
نشوة قصيرة… وندم طويل
دخل عالمًا لم يُخلق له: مولات براقة، رفوف لامعة، وناس يجرّون الأكياس. أراد أن يصير مثلهم، فمد يده إلى البطاقة. دفعة تلو أخرى… ثم سحبٌ على المكشوف.
لكن اللحظات التي شعر فيها بـالثراء اللحظي تبخّرت سريعًا. صار الليل ثقيلًا عليه؛ يتقلّب في فراشه يسمع في رأسه أصوات الأرقام: ٣٠٠٠… ٥٠٠٠… ٨٠٠٠… الدين يتضاعف، والفوائد تتكاثر، والقلق يسحق أنفاسه.
أصبح يكره رنين الهاتف؛ كل اتصالٍ مجهول يحمل إنذارًا جديدًا:
سيدي، إذا لم تُسدّد هذا الشهر، سيتضاعف الدين.
لحظة الانكسار
الآية تصرخ في قلبه كلما فتح محفظته: ﴿يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276]
حتى جاء اليوم الذي كان يخشاه؛ رسالة مطالبة من البنك تهدد بحجز راتبه. جلس في عتمة الليل، يبكي بحرقة:
يا رب… استرني ولا تفضحني، نجِّني ولا تهلكني.
يد تمتد من نور
وفي صباح الغد، جاءه سامي - ذلك الزميل الورع - فرآه مهمومًا، فسأله. سمع القصة كاملة، فابتسم وقال:
أنا أقرضك ما تحتاج… دين بلا فائدة، بلا إذلال. هذا ما أمر به نبينا ﷺ: القرض الحسن. وسامحك الله.
سدد دينه. فكّ وديعته. مزّق البطاقة الربوية. وأحسّ قلبه ينبض من جديد.
إدراك متأخر… لكنه نجاة
في طريقه إلى البيت، كان يشعر أن الأثقال تتساقط من على كتفيه، كأنما خرج من غرفة مظلمة إلى نور الصباح.
أدرك - ولو متأخرًا - أن الطموح الحق ليس بطاقة ائتمان ولا ديكور شقة جديدة… بل قلبٌ سليم، ورزقٌ حلال، وصحبةٌ صالحة، وطريق إلى الجنة.
رأى كيف أن سامي جعل المال خادمًا لا سيّدًا: يزكّي، يتصدق، يستثمر بحذر، ويعيش بلا خوف من ديون الغد.
أما هو فقد تعلّم - من ألمه - أن الربا لا يمنح رفاهية، بل يُحوِّل الحياة إلى قيد ثقيل.
وختم رحلته بدعاءٍ صادق: اللهم نجِّنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.