نبذة
مدخل موجز للعمل
عظمة الإسلام وتحديات الأعداء
مقال
عظمة الإسلام وتحديات الأعداء
نبذة
عظمة الإسلام وتحديات الأعداء
بيانات موجزة
التفاصيل
الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدًى ورحمة للمؤمنين، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛أما بعد:
فإن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز، يحمل في آياته معانيَ سامية ودروسًا عظيمة للمؤمنين، ومن بين هذه الآيات المباركات ما ورد في سورة الصف؛ حيث تناولها فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد عبدالرحمن النقيب، أستاذ اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية التربية، جامعة المنصورة، مصر، بتفسير ماتع وتحليل إيماني عميق في كتابه: (إتمام الرصف بذكر ما حَوَتْهُ سورة الصف من الأحكام والوصف).
في هذا المقال، نستعرض جزءًا من هذا التفسير المبارك، لنسلِّط الضوء على معاني الآيات الكريمة، ونُبيِّن عظمة الإسلام في مواجهة تحديات الأعداء، ونقف على البشائر النبوية بظهور الإسلام وانتشاره بإذن الله.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الصف: 7]:
قال المصنف حفظه الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الصف: 7]؛ “أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله ويجعل له أندادًا[1]؛ فهو أشد الناس ظلمًا؛ حيث يُدْعى إلى الإسلام وهو دين الله وتوحيده، ثم يعدل عن هذا إلى الشرك والكفر والتكذيب؛ ولذلك كانوا جديرين بعدم الاهتداء، فلم يرشدهم الله إلى ما فيه فلاحهم لعدم توجههم إليه[2].
وقُرِئ: وهو يُدْعى للبناء للمفعول من الفعل “دعا” وهي قراءة الجمهور، وهي عندئذٍ مبنية للمفعول.
وقرأ طلحة بن مُصَرِّف: (وهو يَدَّعي) بفتح الياء وتشديد الدال من “الادعاء” مبنيًّا للفاعل، وإنما عُديت بـ”إلى” لتضمنها معنى الانتساب والانتماء[3]، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الصف: 7]، الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، فمن لم يقُم بحق العبودية لله فعبد غيره، وبحق نصرة الرسول بعد الإيمان والتصديق به، فكذَّبه وحارب دينه وسنته، فهذا ظالم؛ حيث وضع الشيء في غير موضعه الذي أذِن الله فيه وأوجبه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، فمن كان هذا وصفه، فمهما قال عن نفسه: إنه مُسْلم، أو إنه يدعو إلى الإسلام، فإن فعله مخالف قوله، وهو كاذب في قوله، فهو مُدَّعٍ لذلك؛ ليشفق كل مسلم وكل مسلمة على نفسه أن يكون ممن يندرج فيمن كانت هذه صفته – والعياذ بالله – يقول العلامة السعدي في بيان المقصود بالظالمين في هذه الآية المباركة: الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردُّهم عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان ولا برهان، خصوصًا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل؛ ولهذا قال عنهم[4]:
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: 8].
﴿نُورَ اللَّهِ﴾: أي: دلالته وحججه على توحيده، جعل البراهين بمنزلة النور لما فيها من البيان، وقيل المعنى: نور الإسلام؛ أي: أن يخمدوا دين الله بتكذيبهم[5]، فهم مجتهدون في محاربة دين الله وعبَّر عن ذلك بـ:
1-الإرادة الجازمة التي فيها معنى الهَمِّ والعزيمة.
2-الإطفاء: وهي الإطفاء، وأصله في النار، واستُعير لما يجري مجراها من الظهور[6].
3-اللام: التي لها عدة معانٍ؛ أهمها:
أ-زائدة: لما فيها من الإرادة تأكيدًا لها، ودلالة ذلك دخولها على المفعول[7]، والتقدير: “يريدون إطفاء نور الله”، فإطفاء: مصدر مؤول مفعول به، وهذا مفيد في بيان أن أهل الكفر إرادتهم مؤكدة في شيء محدد؛ وهو “إطفاء نور الله”.
ب-المعنى الثاني لـ(اللام): أنها لام العلة، والمفعول محذوف؛ أي: يريدون إبطال القرآن، أو رفع الإسلام، أو هلاك الرسول، أو محاربة أهل الإسلام من أجل إطفاء نور الله[8].
وهم الذين يحاربون الإسلام بكل ما لديهم من قوة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36][9]، فإذا كانوا يحاربون بالمال والسلاح، فإنهم يحاربون الإسلام بالتشكيك والشبهات؛ وعبَّر عن ذلك ربنا الكريم بقوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: 8] جمع فُوْه مثل: حَوْض وأحواض[10].
وانظر إلى أن هذه الحرب إرادة جماعية كفرية، وتأمل ما يدل على ذلك من كون كل الضمائر الموجودة في السياق المبارك هي ضمائر الجمع (يريدون) (يطفئوا) (أفواههم) (الكافرون) (المشركون)، لتجد أن ضمائر أهل الإيمان الذين سيتجردون للدفاع عن الإسلام وأهله، كلها ضمائر الجمع (الذين) (آمنوا) (يقاتلون) (كأنهم) (أدلكم) (تنجيكم) (تؤمنون) (تجاهدون) (ذلكم) (لكم) (تعلمون) إلى آخر السورة، مما يعني أنه لا بد من الاهتمام بصف المؤمنين وتربيتهم حتى يقوموا بالوظائف الشرعية المحبوبة عند المليك، ولتكون كلمة الله هي العليا، والله أعلم.
إذًا هم يريدون إبطال القرآن وتكذيبه بالقول.
يريدون رفع الإسلام بالكلام.
يريدون إهلاك الرسول صلى الله عليه وسلم بالأراجيف.
يريدون إبطال حجج الله بتكذيبهم.
وقرأ (متمٌّ) بالتنوين ونصب (نُورَه): ﴿وَاللَّهُ مُتِمٌّ نُورَهُ﴾ ابن محيصن وغيره، وقرأ الجمهور: ﴿مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: 8] بالإضافة[11].
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 9].
أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ﴿بِالْهُدَى﴾؛ أي: بالفرقان، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: 9]؛ أي: بالحجة والبراهين.
•وقيل: ليظهر دين الإسلام على كل الأديان المخالفة له، فلا يبقى دين إلا وهو مغلوب بدين الإسلام.
•وقيل: هذا عند نزول عيسى عليه السلام.
•وقيل: ذلك عند خروج المهدي؛ حيث لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدَّى الجزية.
•وقيل: يُظهره على الدين كله في جزيرة العرب، وقد فعل[12].
وفي هذا بشارة لكل مؤمن ومؤمنة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحكمه على الأديان كلها، وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقَّق في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين، وليس كذلك، فالذي تحقق إنما هو جزء من هذا الوعد الصادق، كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبَد اللات والعُزَّى، فقالت عائشة: يا رسول الله إن كنت لأظن حين ينزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 9] أن ذلك تمامًا، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله))[13].
وقد وردت أحاديث أخرى توضح مبلغ ظهور الإسلام ومدى انتشاره، بحيث لا يدَع مجالًا للشك في أن المستقبل للإسلام بإذن الله وتوفيقه، وها أنا أسوق ما تيسر من هذه الأحاديث؛ عسى أن تكون سببًا لشحذ هِمَمِ العاملين للإسلام، وحُجَّة على اليائسين المتواكلين.
قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله زوى - أي جمع وضم - لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها))؛ [الحديث][14].
وأوضح منه وأعم هذا الحديث: ((لَيبلُغَنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين، بِعزِّ عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يُعز الله به الإسلام، وذُلًّا يُذِل به الكفر))[15].
ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم؛ حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان، وهذا ما يبشرنا به الحديث الآتي:
عن أبي قَبِيْل قال: كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص، وسُئل: أي المدينتين تُفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبدالله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابًا[16]قال: فقال عبدالله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مدينة هرقل تُفتح أولًا))؛ يعني: قسطنطينية[17].
ولا شك أيضًا أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة المسلمة، وهذا يبشرنا به صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث:
((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاءَ أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًّا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت))[18].
هذا، وإن من المبشرات بعودة القوة إلى المسلمين واستثمارهم الأرض استثمارًا يساعدهم على تحقيق الغرض، وتُنبئ عن أن لهم مستقبلًا باهرًا حتى من الناحية الاقتصادية والزراعية قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا))[19].
وقد بدأت تباشير هذا الحديث تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب بما أفاض الله عليها من خيرات وبركات، وآلات ناضحات تستنبط الماء الغزير من بطن أرض الصحراء، وهناك فكرة بحر نهر الفرات إلى الجزيرة كنا قرأناها في بعض الجرائد المحلية، فلعلها تخرج إلى حيز الوجود، وإن غدًا لناظره قريب؛ ا.هـ[20].
الخاتمة:
وفي الختام، فإن هذه الآيات المباركة من سورة الصف تحمل في طياتها بشائر عظيمة ودروسًا إيمانية جليلة، جاءت لتؤكد أن الإسلام هو الدين الذي أراده الله للناس كافة، وأن أعداءه مهما حاولوا إطفاء نوره بالكيد والباطل، فإن وعد الله نافذ بإتمام نوره وظهوره على الدين كله.
وقد أغنى فضيلة الشيخ الدكتور أحمد عبدالرحمن النقيب تفسير هذه الآيات في كتابه: (إتمام الرصف بذكر ما حَوَتْهُ سورة الصف من الأحكام والوصف)، موضحًا معانيها، ومستخرجًا منها الفوائد العظيمة التي تزيد المؤمن إيمانًا ويقينًا بعظمة هذا الدين.
فلنتخذ من هذه الآيات، ومن هذا التفسير المبارك منارة نهتدي بها في حياتنا، ولنستعد لنكون جزءًا من تحقيق وعد الله، عاملين على نصرة دينه بالحكمة والموعظة الحسنة، وموقنين أن المستقبل للإسلام؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8].
النشر الأصلي
هذه الصفحة تُظهر نسخة داخلية منظمة من المقال ضمن أرشيف الموقع، بينما يظل النشر الأصلي متاحًا على شبكة الألوكة.
داخل السلسلة
تنتمي هذه المقالة إلى سلسلة منظمة داخل الموقع، ويمكن الرجوع إلى فهرس السلسلة أو الانتقال إلى الحلقة السابقة أو التالية عند توفرها.