نبذة
مدخل موجز للعمل
حديث "خُلِقت المرأة من ضِلَع" بين نصوص الوحي وشُبَه الحداثة
مقال
حديث "خُلِقت المرأة من ضِلَع" بين نصوص الوحي وشُبَه الحداثة
نبذة
حديث "خُلِقت المرأة من ضِلَع" بين نصوص الوحي وشُبَه الحداثة
بيانات موجزة
التفاصيل
المقدمة:
الحمد لله الذي جعل في نصوص الوحي شفاءً لما في الصدور، وهدايةً لمن التمس النور، وأودع في سنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم أنوار البيان، فكان بها البلاغ المبين، والرد القاطع على كل شبهة وزيغ، والصلاة والسلام على من أُوتي جوامع الكلم، وبُعث بالحكمة والهدى، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
في السنوات الأخيرة، ظهرت موجة من الطعون في نصوص السُّنَّة النبوية، تمثل امتدادًا لخطاب حداثي يُخضِع الوحي للذوق المعاصر، ويُسقط عليه مقاييس غير منضبطة، وكان من أبرز الأحاديث التي نالت قسطًا كبيرًا من النقد حديث: “إن المرأة خُلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضِّلَع أعلاه…”، وهو حديث صحيح متفق عليه (أخرجه البخاري (3331، 5185، 5186)، ومسلم (47، 1468))، ورد بألفاظ متعددة في كتب السُّنَّة.
وقد شنَّت إحدى الكاتبات حملةً فكريةً ضد هذا الحديث، زاعمةً أنه يناقض القرآن الكريم، وأنه ذو أصل توراتي؛ بل وذهبت إلى اتهام الرواة بالافتراء، ودعت إلى إسقاط الحديث من الخطاب الدعوي والتربوي. وتبعها في ذلك بعض الدعاة والناشطين الحداثيين الذين انساقوا وراء هذه الدعوى دون تحقيق علمي رصين.
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل علمي منهجي لمجمل الشبهات المثارة حول الحديث، وتصنيفها، والرد عليها بأدوات العلم الحديثي، ومنهج أهل السنة والجماعة، مع تأصيل مقاصدي وفقهي للحديث، وبيان تماسُكه مع النص القرآني، والسياق التربوي العام في الشريعة الإسلامية.
تخريج الحديث:
أخرج البخاري في «صحيحه» (3331) قال: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَمُوسَى بْنُ حِزَامٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَيْسَرَةَ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ؛ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ».
وفي «صحيحه» (5185، 5186) قال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ. وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ؛ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».
شرح مختصر للحديث[1]:
في هذا الحديثِ يُرشِدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه إلى التَّحَلِّي بِالآدابِ والأخْلاقِ الَّتي تَزيدُ الأُلْفةَ والمَوَدَّةَ بيْن المُسلِمينَ، ومنها: عَدَمُ إيذاءِ الجارِ؛ فَيَقولُ: مَن كانَ يُؤمِنُ بِاللهِ الَّذي خَلَقَه إيمانًا كامِلًا، ويُؤمِنُ باليَومِ الآخِر الَّذي إلَيهِ مَعادُه، وفيه مُجازاتُه بِعَمَلِه؛ فَلا يُؤذِ جارَه بأيِّ نوعٍ من الإيذاءِ؛ بل حَثَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الإحسانِ إلى الجارِ، كما ثبت في الرِّواياتِ.
وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يوصي الرِّجالَ بمعاشرةِ أهلِهم بالمعْروفِ مِمَّا أمَرَ به الإسلامُ، ولَمَّا كان في خَلْقِ النِّساءِ عِوَجًا بأَصْلِ خِلقَتِهن، نَبَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ذلك، فقال: «استَوْصُوا بالنِّساءِ خَيرًا»؛ يَعني: تَواصَوْا فيما بيْنكم بالإحسانِ إليهِنَّ؛ «فإنَّ المرأَةَ خُلِقَت مِن ضِلَعٍ»، جمْعُه ضُّلوعُ، وهي عِظامُ الْجَنْبَينِ، والمعنى: أنَّ في خَلقِهنَّ عِوَجًا مِن أصلِ الخِلْقةِ، «وإنَّ أعوجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أعلاهُ»، فوصَفَها بذلك للمُبالَغةِ في وصْفِ الاعوِجاجِ، وللتَّأكيدِ على معْنى الكَسْرِ؛ لأنَّ تَعذُّرَ الإقامةِ في الجِهةِ العُليا أمْرُه أظهرُ، وقيل: يُحتَملُ أنْ يكونَ ذلك مَثَلًا لِأعْلى المرأةِ؛ لأنَّ أعلاها رأسُها، وفيه لِسانُها، وهو الَّذي يَنشَأُ منه الاعوِجاجُ، وقيل: «أَعوجُ» ها هنا مِن بابِ الصِّفة، لا مِن بابِ التَّفضيلِ؛ لأنَّ أفعلَ التَّفضيلِ لا يُصاغُ منَ الألوانِ والعُيوبِ، «فإنْ ذهبْتَ تُقيمُه كَسَرْتَه»، يَعني: إذا أَرَدْتَ أنْ تُقيمَ الضِّلَعَ وتَجعَلَه مُستقيمًا فإنَّه يَنْكَسِرُ، وكذلك المرأَةُ إنْ أَردْتَ منها الاستقامَةَ التَّامَّةَ في الخُلُقِ، أدَّى الأمرُ إلى كسْرِها، وكسْرُها هو طَلاقُها، كما في صَحيحِ مُسلمٍ، «وإنْ تَركْتَه لم يَزلْ أعوجَ، فاستَوْصُوا بالنِّساءِ»؛ يَعني: أنَّه لا سَبيلَ إلَّا بالصَّبرِ على هذا الاعوِجاجِ، فيَجِبُ الصَّبرُ عليه، والإحسانُ إليهنَّ، وحُسْنُ مُعاشرتِهنَّ مع ذلك.
المحور الأول: تصنيف الشبهات المثارة:
يمكن تصنيف الشبهات المثارة في الخطاب الحداثي المعاصر حول هذا الحديث إلى خمسة محاور رئيسة:
1- شبهات لغوية وتأويلية:تتعلق بدلالة لفظ “العوج”، ومعنى الضلع، والمقارنة بين الحديث والآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4].
2- شبهات عقدية:تزعم أن الحديث فيه نسبة النقص للمرأة؛ مما يُعد إهانة لكرامتها وتنافيًا مع التنزيه الإلهي.
3- شبهات قرآنية:تدعي أن الحديث يناقض نصوص القرآن التي تؤكد التكريم والمساواة في الأصل الخلقي والتكليف.
4- شبهات مصدرية:تدعي أن الحديث مأخوذ من الرواية التوراتية في سفر التكوين، وأنه إسرائيلي دخيل.
5- شبهات اجتماعية وفكرية:تتعلق بالتحيز ضد المرأة، وربطه بما يُسمَّى بالعنف الرمزي والخطاب الأبوي.
المحور الثاني: الرد التفصيلي على الشبهات:
أولًا: “العوج” في الحديث لا يعني النقص أو العيب:
اللغة العربية تحتمل معانيَ متعددة لكلمة “العوج”، منها الميل والاختلاف، وليس بالضرورة الفساد أو الخلل. والحديث يضرب مثلًا لا ليُنتقص من المرأة، بل ليُرشد إلى حسن معاشرتها. وقد صرح عدد من العلماء بأن المراد بالعوج هنا اختلاف الطبع، وأن هذا الاختلاف فطري، لا مذموم.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] لا يعارض الحديث:
الآية الكريمة تشير إلى أن الإنسان مخلوق في أحسن هيئة، وأكمل استعداد؛ لتكليفه في الأرض، ولا تدل على التماثل بين الجنسين في الطباع. والمرأة خُلِقت في أحسن تقويم يناسب وظيفتها، كما خُلق الرجل في أحسن تقويم يناسب وظيفته، وهو من باب التكامل لا التضاد.
ثالثًا: الحديث ثابت في أصحِّ كُتُب السُّنة:
رواه البخاري ومسلم وغيرهما بأسانيد صحيحة، وتلقته الأمة بالقبول، وشُرح في كتب الحديث والفقه والعقيدة. ولم يُعرف عن أحد من أئمة الحديث أنه طعن فيه أو اتَّهمه بالتأثر بالإسرائيليات. والطعن فيه طعن في أصول السنة ومناهج نقلها.
رابعًا: دعوى التوراة لا تثبت أمام التحقيق:
رواية التوراة عن خلق حواء من ضلع آدم تختلف جوهريًّا في اللغة والمضمون والمقصد عن الحديث النبوي. والتشابه في موضوع الخلق لا يقتضي الاشتراك في المصدر؛ بل هو دليل على وحدة الأصل السماوي قبل التحريف، ثم إن الحديث يحمل توجيهًا اجتماعيًّا وتربويًّا رفيعًا لا يوجد في الروايات المحرفة.
خامسًا: الحديث لا يحمل أي تحامل على المرأة:
يبدأ الحديث وينتهي بالوصية بالنساء: “استوصوا بالنساء خيرًا”. والمقصود به التنبيه على الفروق النفسية، لا إعلان تفاضل أو دونية. والنصوص التي تؤكد كرامة المرأة وشراكتها في التكليف والجزاء أكثر من أن تُحصى، ولا يُفهم حديث الضلع إلا في هذا السياق التكميلي.
المحور الثالث: إشكالات منهجية في الخطاب الناقد:
الانتقائية النصية: حيث يتم اقتطاع الحديث من سياقه، وإسقاطه خارج مقاصده التربوية.
الطعن في الثقات بغير بيِّنة: كاتهام الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه، أو اتهام الشراح بإسقاطاتهم دون أدلة.
استيراد مفاهيم حداثية: مثل الجندر، والتماثل المطلق، وتحميل النصوص الشرعية دلالات غربية لا تمت إلى الفقه الإسلامي بصلة.
الخلط بين البلاغة العقائدية والتوصيف التشبيهي: حيث يُحمَّل الحديث فوق مقصوده البلاغي.
الخاتمة:
إن حديث: “خُلقت المرأة من ضِلَع” حديثٌ صحيح سندًا، سليم متنًا، متكامل مقصدًا، لا يتعارض مع القرآن، ولا مع العقل، ولا مع الكرامة الإنسانية؛ بل هو من جوامع الكلم، ويعكس حكمة نبوية عظيمة في فهم النفوس وتوجيه السلوك.
وما أُثير حوله من طعون لا يستند إلى منهج علمي رصين، بل إلى إسقاطات ثقافية حداثية، تتغافل عن أدوات التحقيق الحديثي، وتتجاهل قواعد الفهم التفسيري.
نسأل الله أن يرزقنا فقه النصوص، وأدب الخطاب، وأن يجعلنا من أنصار السنة، المدافعين عنها بالعلم والبيان، لا بالهوى والانقياد للعقل المجرد.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
النشر الأصلي
هذه الصفحة تُظهر نسخة داخلية منظمة من المقال ضمن أرشيف الموقع، بينما يظل النشر الأصلي متاحًا على شبكة الألوكة.