مقال

إيذاء موسى عليه السلام: قراءة تفسيرية وتحليلية

إيذاء موسى عليه السلام: قراءة تفسيرية وتحليلية

صفحة مقالمقال خارجيخواطر إيمانية ودعوية

نبذة

مدخل موجز للعمل

إيذاء موسى عليه السلام: قراءة تفسيرية وتحليلية

التفاصيل

إيذاء موسى عليه السلام: قراءة تفسيرية وتحليلية

فائدة من كتاب: (إتمام الرصف بذكر ما حَوَتْهُ سورة الصف من الأحكام والوصف)

الحمد لله الذي أرسل رسله بالحق ليكونوا قدوة لعباده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، ومن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين؛أما بعد:

فإن القرآن الكريم يُبرز في كثير من مواضعه قصص الأنبياء؛ ليكونوا قدوة حسنة للمؤمنين، وليستخلص منها المسلمون العِبرَ والدروس.

من هذه القصص، تأتي قصة نبي الله موسى عليه السلام مع قومه الذين آذَوه رغم علمهم بنبوته، في هذا السياق، يُظهر الله تعالى كيف أن الإيذاء لا يتوقف عند الأنبياء فحسب، بل يتجاوزهم إلى الرسالة نفسها، في هذا المقال، نستعرض الأبعاد المختلفة لقصة إيذاء بني إسرائيل لموسى عليه السلام كما وردت في سورة الصف، مع التركيز على المعاني اللغوية، والبلاغية، والشرعية المستفادة منها، وهذا أحد مباحث كتاب: (إتمام الرصف بذكر ما حَوَتْهُ سورة الصف من الأحكام والوصف)، لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد عبدالرحمن النقيب.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [الصف: 5]:

**قال المصنف حفظه الله:**كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال[1]، وفي مناسبة ذكر قصة موسى وعيسى عليهما السلام في سياق تذكير المؤمنين وتوجيههم؛ يقول أبو حيان: “ولما كان في المؤمنين من يقول ما لا يفعل، وهو راجع إلى الكذب، فإن ذلك بمعنى الإذاية للرسول عليه الصلاة والسلام؛ إذ كان في أتباعه من عانى الكذب، فناسب ذكر قصة موسى”؛ ا.هـ[2].

“وإذ” منصوبة فيها معنى الوقت، والمعنى: واذكر لهؤلاء المعرِضين عن القتال وقتَ قول موسى لبني إسرائيل حين ندبهم إلى قتال الجبابرة؛ بقوله:﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 21]،فلم يمتثلوا بأمره وعَصَوْه أشد عصيان؛ حيث قالوا: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: 22]،إلى قوله تعالى:﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، وأصروا على ذلك وآذَوه عليه السلام كلَّ الأذية[3].

كما يمكن القول: إنه لما ذكر تعالى الجهاد المشتمل على المشاقِّ، ذكر قصتي موسى وعيسى؛ تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذى قومه، مبتدئًا بقصة موسى لتقدمه في الزمان؛ فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ [الصف: 5]؛ ا.هـ[4].

قال القرطبي: “لما ذكر أمر الجهاد بَيَّن أن موسى وعيسى أُمرا بالتوحيد وجاهدَا في سبيل الله، وحل العقاب بمن خالفهما؛ أي: واذكر لقومك يا محمد هذه القصة”؛ ا.هـ[5]، ويقول ابن كثير: “يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام أنه قال لقومه:﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي…﴾ [الصف: 5][6].

قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ [الصف: 5]:

قال أبو السعود: “أي: بالمخالفة والعصيان فيما أمرتكم به…”؛ ا.ه[7]، قال القرطبي: “وذلك حين رَمَوْه بالأَدَرَة…”[8][9]، ومن الأذى قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]،وقولهم:**﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: 24]؛**ا.هـ[10]، قال ابن كثير: “أي: لِمَ توصلون الأذى إليَّ؟”؛ ا.هـ[11].

قال صاحب (تتمة الأضواء) في كلام جيد نسوقه بتمامه: “قول موسى عليه السلام: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ [الصف: 5] لم يبين نوع هذا الإيذاء، وقد جاء مثل هذا الإجمال في قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: 69]،وأحال عليه ابن كثير في تفسيره، وساقحديث البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إن موسى عليه السلام كان حييًّا ستِّيرًا، لا يُرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده؛ إما برص وإما أُدرة وإما آفة، وإن الله عز وجل أراد أن يُبرئه مما قالوا، فخلا يومًا وحده، فخلع ثيابه على حَجَرٍ، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وأن الحجر عدَا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَرُ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسنَ ما خلق الله عز وجل، وبرَّأه مما يقولون…))؛ إلى آخر القصة.

ونقله غيره من المفسرين عندها، وعلى هذا يكون إيذاؤهم إياه إيذاء شخصيًّا بادعاء العيب فيه خِلْقَةً، وهذا وإن صحَّ في آية الأحزاب؛ لقوله تعالى:﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: 69]،فإنه لا يصح في آية الصف هذه؛ لأن قوله لهم:﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الصف: 5]،مما يشير إلى أن الإيذاء في جانب الرسالة لا في جانب الشخص، ويرشح له قوله بعده مباشرة:﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]؛أي: فلما زاغوا مما آذوا به موسى، فيكون إيذاء قومه له هنا إيذاء زيغ وضلال، وقد آذَوه كثيرًا في ذلك؛ كما بيَّنه تعالى في قوله عنهم:﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]،وكذلك قوله تعالى:﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 93].

فها هم يُؤخذ الميثاق عليهم ويُرفع فوقهم الطور؛ ويُقال لهم:﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: 93]،فكله يساوي قوله:﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: 5]؛لأن﴿قَدْ﴾هنا للتحقيق، ومع ذلك يُؤذُونه بقولهم:﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93]،ويُؤذُونه بأن أُشربوا في قلوبهم حب العجل وعبادته بكفرهم؛ ولذا قال لهم:﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 93].

وقد جُمع إيذاء الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إيذاء قوم موسى لموسى عليه السلام في قوله تعالى:﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: 153].

ومن مجموع هذا يتبين أن الإيذاء المنصوص عليه هنا هو في خصوص الرسالة، ولا مانع من أنهم آذَوه بأنواع من الإيذاء في شخصه وفيما جاء به، فبرَّأه الله مما قالوا في آية الأحزاب، وعاقبهم على إيذائه فيما أُرسل به إليهم بزيغ قلوبهم، والعلم عند الله تعالى”؛ ا.هـ[12].

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: 5]:

**﴿قَدْ﴾**للتحقيق ودخلت (قد) على (تعلمون) للتأكيد؛ كأنه قال: وتعلمون علمًا يقينيًّا لا شبهة لكم فيه[13].

والعلم إدراك الشيء بحقيقته، ففيه معنى اليقين[14]؛ ولذلك كان العلم من شروط لا إله إلا الله؛ ففي صحيح مسلم من حديث عثمان مرفوعًا (الإيمان/ 43): ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة)).

قال ابن حكمي عن لا إله إلا الله:

وبشروط سبعة قد قيِّدتوفي نصوص الوحي حقًّا وردتفإنه لم ينتفع قائلهابالنطق إلا حيث يستكملهاالعلم واليقين والقبولُوالانقياد فادرِ ما أقولُوالصدق والإخلاص والمحبهْوفقك الله لما أحبهْ[15]

ومن فريد التوكيد قوله ﴿أَنِّي﴾، إذًا هم متيقنون من رسالته، “والرسول يُحترم ويُعظَّم”[16].

ومع أن علمهم بنبوته حاصل قبل ذلك؛ أي في الوقت الماضي؛ أي: إن المضارع هنا (تعلمون) في معنى الماضي أي: (علمتم)، إلا أنه أتى بالمضارع “للدلالة على استمراره”؛ أي: استمرار علمكم برسالته بما تشاهدونه على يديه من المعجزات والآيات القاهرة، التي معظمها إهلاك عدوكم وإنجاؤكم من مملكته، وهذا الرسول يرشدكم إلى خيري الدنيا والآخرة، ومن عَلِم ذلك حُقَّ له أن يبالغ في تعظيم هذا الرسول ويسارع في طاعته[17]، إذًا:**﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: 5]**جملة حالية تقتضي تعظيم الرسول وتكريمه، ولكنهم رتَّبوا على علمهم أنه رسول ما لا يناسب العلم؛ وهو الإذاية[18].

قال ابن كثير: “﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: 5]؛أي: لِمَ تُوصلون الأذى إليَّ وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة؟ وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمرٌ له بالصبر؛ ولهذا قال: “رحمة الله على موسى؛ لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر))[19]، وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي صلى الله عليه وسلم أو يوصلوا إليه أذًى؛ كما قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69]“[20].

إذًا العلم برسالته يُوجب تعظيمه ويمنع إيذاءه؛ لأن من عرف الله وعظمته، عظَّم رسوله[21].

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]:

وأصل الزيغ: الميل، ومنه زاغت الشمس: إذا مالت، فإزاغة القلب: إمالته عن الهدى، وزيغه: ميله عن الهدى إلى الضلال، والزيغ: يُوصف به القلب والبصر؛ كما قال تعالى:**﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10]؛**قال ابن القيم: “القلب إذا امتلأ رعبًا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المخوف”[22]، وهذه من الآيات التي تفخم شأن الذنب وتُبيِّن فداحته وشؤمه ونجاسته، وأن “العقوبة على الذنب بالذنب”[23].

قال ابن هشام: “وزعم ابن السرَّاج وتبِعه الفارسي، وتبِعهما ابن جنِّيٍّ، وتبعهم جماعة أنها – يقصد (لما) التي تختص بالماضي، كهذه التي نحن بصددها – أنها ظرف بمعنى حين، وقال ابن مالك: بمعنى إذ وهو حسن؛ لأنها مختصة بالماضي…”؛ ا.هـ[24].

مثلها**﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: 67]، و(لما) الظرفية يمكن أن يكون جوابها مضارعًا أيضًا؛ كقوله تعالى:﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74]،كما يمكن أن يكون جملة اسمية؛ كقوله تعالى:﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65]، والمعنى كما قال القرطبي:﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ [الصف: 5]؛ أي: مالوا عن الحق، ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]؛**أي: أمالها عن الهدى.

وقيل:**﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ [الصف: 5]عن الطاعة،﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]**عن الهداية.

وقيل:**﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ [الصف: 5]عن الإيمان،﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]**عن الثواب.

وقيل: أي لما تركوا ما أُمروا به من احترام الرسول عليه السلام وطاعة الرب، خلق الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم على فعلهم[25].

ومما يلفت النظر هنا إسناد الزيغ للقلوب في قوله تعالى:**﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]،وأن الهداية تسند أيضًا للقلب؛ كقوله تعالى:﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11]؛ولذا حرص المؤمنون على هذا الدعاء:﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8]،**فتضمن المعنيين؛ ا.هـ[26].

وهنا فوائد:

1-أن العقوبة على الذنب تكون بعد المعرفة، فلا يعاقَب جاهل؛ ولهذا أرسل الله رسله ليعلموا الخلق؛ قال تعالى:﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]، وقد أرسل الله رسله لينقطع العذر، وتُزال الجهالة، فتكون العقوبة لمن عرف وكفر؛ قال تعالى:﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]، وقال تعالى:﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].

2-أن فِعلَ الله بهم ذلك إنما هو من باب الجزاء والمقابلة؛ مثل قوله تعالى:﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]،﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]،﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]،﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]،وقوله:﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 101]، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ… نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: 115]،وهذه المقابلة تكون لأهل الطاعة أيضًا؛ وذلك كقوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17].

فالذنب يُورث ذنبًا، ويُسلِم إلى ذنب، ويُفضي إلى عقوبة، والطاعة تُورث طاعة وتُسلم إلى طاعة، وتُفضى إلى مثوبة؛ وأيضًا كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

3-ظاهر الآية يدل على أن العقوبة مرتبة على الذنب، مع أن الله خالق الذنب، وهنا الكلام حول إرادة العبد ومشيئته، وإرادة الرب ومشيئته.

وهذا الخَلقُ موافق لما قضاه الله وقدَّره عليهم في الأزل من الشقاوة وعدم الاهتداء[27].

4-هذا وقد ساق الطبري بسنده إلى أبي أمامة:**﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]،**قال: هم الخوارج[28].

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5]:

الفِسْق معناه الخروج، ومنه فَسَق كل ذي قِشْر: إذا خرج عن قِشره، ومنه فسقت الفأرة عن جُحرها[29]، ومنه سُمِّي العاصي المتجاوز حدود الشرع فاسقًا، وأول من سمِّيَ به إبليس:﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50].

ولعل الفأرة سميت بالفويسقة[30]لملاحظة هذا المعنى، وهؤلاء الذين عصوا الرسول فلم يطيعوه ولم يعظموه، كانوا فاسقين، فأنى لهم الهداية؟ قال القرطبي: “والله لا يوفَّق لإصابة الحق القومُ الذين اختاروا الكفر على الإيمان”؛ ا.ه[31]، وهذه الجملة التذييلية مقررة لمضمون ما قبلها من الإزاغة[32].

وهذا القول هو مما يُتروح به، ولِمَ لا؟ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم خصائص هذه الأمة، والآيات والنصوص على ذلك كثيرة، ولله الحمد، وهذا ليس معناه التلبس بالمعصية مع القيام بهذا الواجب، ولكن معناه أن يجتهد المسلم في إبراء نفسه ممن يخالف قولَه فعلُه، وعِلْمَه عملُه؛ ولذلك قال تعالى بعد ذلك مباشرة.

الخاتمة:

إن قصة إيذاء بني إسرائيل لموسى عليه السلام تقدم دروسًا عميقة للمؤمنين، أبرزها أن العلم بنبوة الرسل ومعرفة الحق لا يكفيان وحدهما، بل يجب أن يصاحبهما الطاعة والعمل، كما تسلط الآيات الضوءَ على سُنة إلهية عظيمة تقضي بمقابلة الطاعة بالمزيد من الهداية، والزيغ بالمزيد من الضلال.

من هنا، ينبغي على المسلم أن يستلهم من هذه القصة الالتزام بالحق والعمل بما جاء به الرسل، مع تعظيم شعائر الله ورسله، ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والحمد لله رب العالمين.

النشر الأصلي

المقال منشور أيضًا على شبكة الألوكة

هذه الصفحة تُظهر نسخة داخلية منظمة من المقال ضمن أرشيف الموقع، بينما يظل النشر الأصلي متاحًا على شبكة الألوكة.

الانتقال إلى المقال على شبكة الألوكة